جريدة عالم التنمية

حين تترك المدرسة وحدها: أزمة تربية أم أزمة مجتمع؟

بقلم: الأستاذ محمد حممات – مدير تربوي وباحث بسلك الدكتوراه

في تحول لافت لم يكن مألوفًا في مجتمعاتنا قبل عقود، بدأت ملامح أزمة تربوية تتشكل داخل الأسرة، التي طالما اعتُبرت الحاضن الأول للقيم والسلوك، لم يعد السؤال المطروح اليوم: كيف نربي أبناءنا؟ بل أصبح أكثر إلحاحًا وتعقيدًا: من الذي يتولى عملية التربية؟

لقد تجاوزت المدرسة دورها التقليدي كفضاء للتعليم ونقل المعارف، لتجد نفسها في موقع متقدم ضمن معادلة تربوية مختلة، حيث تُطالب بشكل متزايد بتحمل أعباء لم تكن يومًا ضمن اختصاصها الكامل فالمؤسسة التعليمية، بما تضمه من إدارة وهيئة تدريسية، باتت في مواجهة مباشرة مع اختلالات سلوكية وقيمية تنشأ خارج أسوارها، لكنها تُلقى على عاتقها يوميًا.

في الماضي، كانت العلاقة بين الأسرة والمدرسة قائمة على التكامل؛ حيث تؤسس الأسرة القيم الأولى، وتأتي المدرسة لتطويرها وصقلها أما اليوم، فقد اختل هذا التوازن، وأصبحت المدرسة مطالبة بأن تقوم بدور المربي الأساسي، بل وأن تتدخل في تفاصيل دقيقة من حياة التلميذ، تمتد أحيانًا إلى داخل البيت.

ولم يعد مستغربًا أن يلجأ بعض أولياء الأمور إلى المدرسة لطلب التدخل في سلوكيات أبنائهم الشخصية، كتنظيم استخدام الهاتف أو ضبط أوقات النوم أو حتى توجيه اختياراتهم اليومية هذا التحول يعكس تراجعًا في سلطة الأسرة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول موقعها الحقيقي في عملية التنشئة.

من منظور تربوي، يؤدي هذا الخلل إلى فقدان أحد أهم شروط نجاح العملية التربوية، وهو الاتساق. فحين يتلقى التلميذ رسائل متناقضة بين البيت والمدرسة، أو يغيب الحزم داخل الأسرة، تصبح قدرة المدرسة على ترسيخ القيم محدودة، بل ومهددة بالفشل، فالتربية ليست تدخلًا ظرفيًا، بل منظومة متكاملة من القيم والممارسات اليومية.

وفي سياق متصل، برزت تحولات مقلقة في صورة الأب داخل المجتمع، حيث لم يعد في كثير من الحالات يمثل تلك السلطة التوجيهية الحازمة، بل أصبح أحيانًا في موقع دفاعي أمام الأبناء، يتجنب المواجهة أو فرض الانضباط، هذا الضعف في الأدوار ينعكس بشكل مباشر على سلوك الأبناء، الذين قد يدفعهم غياب الضبط إلى اختبار الحدود باستمرار.

أما داخل المدرسة، فقد بدأت تظهر مؤشرات تمس جوهر العلاقة التربوية، حيث لم يعد التحدي مقتصرًا على إيصال المعرفة، بل امتد ليشمل الحفاظ على هيبة الأستاذ. في بعض الحالات، يواجه المعلم تهديدات صريحة أو ضمنية من التلاميذ، وهو أمر يعكس تراجعًا في قيم الاحترام والانضباط، ويهدد أسس العملية التعليمية.

هذه الظواهر، وإن بدت محدودة، تحمل دلالات عميقة على أزمة أوسع في بنية التنشئة الاجتماعية. فالمشكلة لا تتعلق بالتلاميذ فقط، بل بمنظومة كاملة تشهد اختلالًا في توزيع الأدوار والمسؤوليات.

إن المدرسة، مهما بلغت كفاءتها، لا يمكنها أن تعوض دور الأسرة، كما أن الأسرة لا يمكنها التنصل من مسؤولياتها التربوية. الحل لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في إعادة بناء شراكة حقيقية تقوم على التكامل، وتحديد واضح للأدوار، وتغليب مصلحة التلميذ.

كما أن المرحلة الراهنة تستدعي دعمًا مؤسساتيًا حقيقيًا للمدرسة، وتمكينًا للفاعلين التربويين، إلى جانب إعادة الاعتبار لسلطة التربية داخل الأسرة، باعتبارها الأساس الأول لبناء شخصية متوازنة.

في النهاية، تربية الأجيال ليست مهمة جهة واحدة، بل هي مسؤولية مجتمع بأكمله. وإذا استمرت المدرسة في حمل هذا العبء وحدها، فإننا لا نرهقها فحسب، بل نعرض مستقبلنا الجماعي لاختلالات عميقة. فالقلق على مستقبل الأوطان ليس مبالغة، بل قراءة واقعية لما قد تؤول إليه الأوضاع إذا استمر هذا الخلل دون معالجة جادة.

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات