جريدة عالم التنمية

الصيام في زمن المعركة… كيف شكل البعد الإيماني طاقة النصر في أكتوبر؟

تقرير صحفي بقلم الدكتورة جيهان عبد الرحمن الشيخ

حين اندلعت حرب السادس من أكتوبر عام 1973، الموافق العاشر من رمضان 1393هـ، لم تكن المعركة مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل حملت في وجدان الجنود بُعدًا إيمانيًا عميقًا، فقد تزامن القتال مع شهر الصيام، فامتزجت روح العبادة بروح الجندية، وصار الصوم عنصرًا معنويًا حاضرًا في معادلة الصمود والانتصار.

البعد الإيماني… حين يتحول الصيام إلى طاقة روحية

في أوقات الحرب، يتجاوز الإنسان حدود الجسد ليعتمد على مخزونه النفسي والروحي، وقد مثل الصيام لدى كثير من الجنود حالة من الارتقاء الإيماني، عززت الشعور بالهدف والرسالة، لم يكن الامتناع عن الطعام والشراب مجرد شعيرة، بل كان تعبيرًا عن الاستعانة بالله في لحظة مصيرية من تاريخ الوطن.

الآية الكريمة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ (البقرة: 153)
كانت حاضرة في الوعي الجمعي؛ فالصيام من أعظم صور الصبر، والصبر ركيزة الثبات في الملمات، هذا المعنى الإيماني عمّق الإحساس بمعية الله، ورسّخ الثقة بالنصر، وربط بين استرداد الأرض وأداء الواجب الوطني بروح تعبّدية عالية.

الإرادة والانضباط… تدريب روحي انعكس عسكريًا

الصيام في جوهره تدريب عملي على ضبط النفس وكبح الشهوات، وهو ما ينعكس مباشرة على السلوك والانضباط. فالتحكم في الرغبات الأساسية لساعات طويلة يرسّخ قدرة الفرد على الالتزام، ويقوي عزيمته في تنفيذ الأوامر بدقة.

وقد شكّل تحمّل الجوع والعطش نوعًا من التمرين النفسي على الصمود في بيئة قتال قاسية، حيث تتطلب العمليات العسكرية تركيزًا عاليًا ورباطة جأش. فكان الصيام، في هذا السياق، عاملًا معززًا لقوة الإرادة، ومجالًا لتجسيد الانضباط الذاتي في أرقى صوره.

الأثر النفسي العصبي… صفاء في لحظة الحسم

من الناحية النفسية والعصبية، تشير الدراسات الحديثة إلى أن الصيام المعتدل قد يسهم في تقليل التشتت الذهني وتحسين صفاء التركيز لدى بعض الأفراد، خاصة مع استقرار مستوى السكر في الدم بعد الساعات الأولى.

كما أن الشعور بالقدرة على التحكم في الذات يعزز الإحساس بالإنجاز الداخلي، وهو عنصر حاسم في زمن الأزمات. وفي لحظات المواجهة، يلعب العامل النفسي دورًا كبيرًا في حسم النتائج؛ إذ يؤكد خبراء علم النفس العسكري أن الروح المعنوية قد تمثل أكثر من نصف معادلة النصر.

وقد شكّل الإيمان والصيام في تلك المرحلة مصدرًا للطاقة النفسية الجماعية، ما ساعد على رفع مستوى الثبات والشجاعة في أصعب اللحظات.

الأثر الصحي والتحمل البدني

بيولوجيًا، يبدأ الجسم بعد ساعات من الصيام في الاعتماد على مخزون الدهون كمصدر بديل للطاقة، وهو ما قد يحد من الشعور بالخمول الناتج عن امتلاء المعدة. كما يدرّب الصيام الجسم على الاقتصاد في استهلاك الطاقة، ويعزز آليات التكيف التدريجي مع الظروف الصعبة.

غير أن الشريعة الإسلامية، في حكمتها، لم تجعل الصيام عبئًا في ظروف المشقة البالغة؛ فقد أباح الإسلام الفطر في السفر والحرب حفاظًا على القدرة البدنية، ومع ذلك، اختار عدد من الجنود الصيام طواعية بدافع إيماني، مستندين إلى قناعة شخصية بأن الصوم يمنحهم قوة روحية إضافية.

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات