بقلم: الملودي الزلزولي
باحث بأكاديمية بناة المستقبل الدولية – كلية إدارة الأعمال
برئاسة الدكتورة مها فؤاد
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم اليوم، لم تعد الفلاحة قطاعًا تقليديًا يعتمد فقط على الخبرة المتوارثة والممارسات الكلاسيكية، بل أصبحت مجالًا مفتوحًا أمام الابتكار الرقمي والتكنولوجيا الذكية، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز التنافسية الاقتصادية.
وانطلاقًا من هذا الواقع، تأتي أطروحتي الموسومة بـ:
«التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي كرافعة لتطوير المهارات الفلاحية وتحقيق الاستدامة الاجتماعية والاقتصادية لمواجهة التنافسية»، لتسلّط الضوء على الدور المتنامي للتقنيات الحديثة في إعادة تشكيل المنظومة الفلاحية، والارتقاء بكفاءتها الإنتاجية والاجتماعية.
لقد أفرزت التغيرات المناخية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلبات الأسواق العالمية، تحديات كبيرة أمام الفلاحين، خاصة في الدول النامية. وهو ما يجعل اعتماد الحلول الرقمية والأنظمة الذكية ضرورة ملحّة، لا خيارًا ثانويًا. فالتكنولوجيا اليوم قادرة على تحسين طرق الري، وترشيد استعمال الموارد، والتنبؤ بالأمراض الزراعية، ومواكبة تطورات السوق في الزمن الحقيقي.
ويمثل الذكاء الاصطناعي أداة فعّالة في تحليل المعطيات الفلاحية، من خلال تتبع جودة التربة، ومستويات الرطوبة، وأنماط الطقس، مما يساعد الفلاح على اتخاذ قرارات دقيقة، قائمة على المعرفة، بدل الاعتماد على الاجتهاد الفردي أو التجربة التقليدية.
غير أن التحول الرقمي لا يقتصر على إدخال المعدات الذكية أو التطبيقات الحديثة، بل يرتبط أساسًا بتطوير المهارات البشرية. فنجاح أي مشروع رقمي رهين بقدرة الفلاحين والعاملين في القطاع على فهم هذه التقنيات، واستعمالها بشكل فعّال، واستثمارها في تحسين الإنتاج وجودة المنتوج.
ومن هذا المنطلق، تؤكد الدراسة على أهمية التكوين المستمر، وبناء القدرات الرقمية في الوسط القروي، وربط البحث العلمي بالميدان الفلاحي، بما يضمن انتقالًا سلسًا نحو فلاحة ذكية ومستدامة.
كما يساهم التحول الرقمي في تعزيز الاستدامة الاجتماعية، من خلال تحسين دخل الفلاحين، والحد من الهجرة القروية، وخلق فرص عمل جديدة مرتبطة بالتكنولوجيا الزراعية، إضافة إلى دعم الاقتصاد المحلي وتحقيق التوازن بين التنمية والعدالة الاجتماعية.
وعلى المستوى الاقتصادي، يشكل الذكاء الاصطناعي رافعة حقيقية لتعزيز تنافسية المنتوجات الفلاحية في الأسواق الوطنية والدولية، عبر تحسين الجودة، وتقليص الخسائر، ورفع مردودية الإنتاج، بما يواكب متطلبات الاقتصاد العصري.
إن مستقبل الفلاحة لم يعد مرتبطًا فقط بالأرض والماء، بل أصبح مرتبطًا بالمعرفة الرقمية والابتكار التكنولوجي. ومن هنا، فإن الاستثمار في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي يمثل استثمارًا في الإنسان، وفي الأمن الغذائي، وفي التنمية المستدامة.
وفي الختام، فإن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في بناء منظومة فلاحية ذكية، منفتحة على التكنولوجيا، ومتكاملة مع البحث العلمي، وقادرة على مواجهة التحديات العالمية بثقة وكفاءة، خدمةً للتنمية الشاملة والمستدامة.
الملودي الزلزولي
باحث بأكاديمية بناة المستقبل الدولية