بقلم: الأستاذ محمد حممات
مدير تربوي – باحث بسلك الدكتوراه
أصبح التحول الرقمي اليوم من أبرز القضايا التي تشغل الدول والمؤسسات، في ظل عالم يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد فيه التكنولوجيا مجرد أدوات حديثة، بل أصبحت جزءًا لا يتجزأ من تفاصيل الحياة اليومية للأفراد والمجتمعات.
وخلال السنوات الأخيرة، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج رائد في هذا المجال، حيث نجحت، في ظرف زمني وجيز، في تحقيق انتقال رقمي واضح، استند إلى رؤية استراتيجية دقيقة، وتخطيط محكم، واستثمار متوازن في التكنولوجيا والإنسان معًا، ما جعل تجربتها محل إشادة إقليمية ودولية.
من جهته، انخرط المغرب بدوره في مسار التحول الرقمي، وهو ما تجلّى بوضوح من خلال تنظيمه لبطولات رياضية كبرى، كان آخرها كأس إفريقيا، الذي شكّل اختبارًا حقيقيًا لقدرة المملكة على تدبير التظاهرات الكبرى، وأبرز مستوى الجاهزية الرقمية على صعيد التنظيم، والخدمات، والتواصل.
ويستعد المغرب اليوم لاحتضان كأس العالم 2030، وهو حدث عالمي يفرض تسريع وتيرة التحول الرقمي، ليس فقط على مستوى البنية التحتية، بل أيضًا على مستوى وعي المجتمع وطريقة تفاعله مع هذه التحولات.
وقد بدأت المملكة بالفعل في اتخاذ خطوات مهمة، من بينها إطلاق شبكة الجيل الخامس G5 ، واعتماد مجموعة من التطبيقات الرقمية المرتبطة بالخدمات الإدارية وتنظيم التظاهرات، بهدف تبسيط المساطر، وتسهيل الولوج إلى الوثائق، وربح الوقت.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الدولة، ولا في ضعف الإمكانيات التكنولوجية، بقدر ما يتمثل في ضعف الفهم لدى فئة من المواطنين، وغياب خطاب تواصلي مبسط يشرح هذه المشاريع ويقربها من الناس.
فالشباب، رغم تعامله اليومي مع التكنولوجيا، غالبًا ما يحصر هذا التحول في وسائل التواصل الاجتماعي، دون استثمار فعلي في التعلم، أو تطوير المهارات، أو الإنتاج الرقمي الهادف.
أما فئة كبار السن، فلها نظرتها الخاصة؛ إذ عاشت مراحل تعليمها وعملها دون حواسيب أو هواتف ذكية أو إنترنت، ومع ذلك حققت نجاحات أكاديمية ومهنية معتبرة، وهو ما يجعل بعضهم ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها أمرًا ثانويًا، لا شرطًا أساسيًا للنجاح.
هذا الاختلاف في التصورات طبيعي، لكنه يتحول إلى إشكال حقيقي في غياب تواصل واضح وإعلام مسؤول، يشرح للناس لماذا نحتاج إلى الرقمنة، وكيف يمكن أن تسهم في تسهيل الحياة اليومية وتحسين جودة الخدمات.
فالتحول الرقمي لا يعني إلغاء الماضي، ولا التقليل من قيمة النجاحات التي تحققت دون تكنولوجيا، بل يعني تطوير الوسائل، وتحديث الآليات، وربح الوقت، والارتقاء بجودة الخدمات.
إن التحول الرقمي الحقيقي والناجح هو ذاك الذي يضع الإنسان في صلب اهتماماته، ويجعل من التكنولوجيا وسيلة لخدمته، لا عبئًا إضافيًا يثقل كاهله.
