بقلم/ عبد الغني هرماشي
لم يعد إصلاح منظومة العدالة في العالم العربي مجرد مطلب حقوقي أو نقاش نخبوي، بل بات ضرورة استراتيجية ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالأمن القانوني، وجاذبية الاستثمار، والاستقرار الاجتماعي، ففعالية القضاء اليوم تشكل أحد المؤشرات الحاسمة على قوة الدولة وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة.
ورغم تعدد المبادرات الإصلاحية، إلا أن أغلبها ظل حبيس المقاربات التقليدية، التي تعمل داخل ما يمكن تسميته بـ«المحيط الأحمر القضائي»؛ حيث تتشابك التعقيدات الإدارية، وتتصاعد الصراعات البيروقراطية، ويبرز ضعف التنسيق المؤسساتي، إلى جانب مقاومة التغيير.
يشير مفهوم «المحيط الأزرق» في قطاع العدالة إلى الانتقال من معالجة الأزمات داخل الأدوات نفسها، إلى ابتكار نموذج قضائي جديد يخلق قيمة قانونية مختلفة. فبدل التركيز على محاكم مكتظة، ومساطر معقدة، وأحكام بطيئة، يصبح الهدف هو بناء عدالة سريعة، منخفضة التكلفة، رقمية، ووقائية، تخدم المواطن وتدعم الاقتصاد في آن واحد.
ويعني ذلك توسيع نطاق العدالة ليشمل آليات مبتكرة مثل الوساطة الرقمية، والعقود الذكية، والمحاكم الافتراضية للقضايا البسيطة، بما يقلل الضغط على المحاكم التقليدية، ويعيد تعريف وظيفة القضاء داخل المجتمع.
الإصلاح الحقيقي لا يتحقق داخل أسوار المحاكم وحدها، بل من خلال بناء إيكوسيستم قضائي ذكي تتفاعل فيه مجموعة من الفاعلين: القاضي، المحامي، الإدارة العمومية، الجامعات، شركات التكنولوجيا القانونية، الإعلام، والمجتمع المدني.
في هذا النموذج، يتحول القاضي إلى فاعل رقمي يعتمد على البيانات والتحليل، ويتطور دور المحامي من مدافع تقليدي إلى مهندس حلول قانونية، بينما تشكل الحكومة الرقمية العمود الفقري لتبسيط المساطر وتبادل المعلومات. أما الجامعات ومراكز البحث، فتغدو منصات لإنتاج نماذج عدالة محلية تتلاءم مع الخصوصيات العربية.
التجارب الدولية تؤكد أن الدول التي نجحت في إصلاح منظومة العدالة لم تنطلق من اعتبارات أخلاقية فقط، بل من منطق اقتصادي واضح. فالمستثمر يبحث قبل كل شيء عن قضاء سريع، وحماية فعالة للعقود، وشفافية في الإجراءات، وآليات تحكيم حديثة.
وعندما تتحول العدالة إلى منظومة موثوقة وسريعة، تصبح عنصرًا تنافسيًا للدولة، وجزءًا من صورتها السيادية في السوق العالمية.
من أبرز أعطاب الأنظمة القضائية العربية اعتمادها منطق رد الفعل بدل الوقاية. ويقترح «المحيط الأزرق القضائي» الانتقال إلى عدالة وقائية تقوم على نشر الثقافة القانونية، رقمنة العقود، توفير الاستشارة القانونية المبكرة، وتوعية المواطنين والمقاولات بحقوقهم وواجباتهم.
والنتيجة المتوقعة هي تقليص النزاعات، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وخفض التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للتقاضي.
لا يخلو هذا المسار من تحديات حقيقية، أبرزها مقاومة النخب التقليدية، وضعف البنية التحتية الرقمية، وغياب الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى، إضافة إلى التخوف من الشفافية والمساءلة. غير أن التجربة الدولية تثبت أن كلفة الجمود أكبر بكثير من كلفة الإصلاح الجريء.
يمتلك العالم العربي فرصة تاريخية لبناء نموذج عدالة رقمي خاص به، يجمع بين القيم الأخلاقية، والعمق الحضاري، والتكنولوجيا الحديثة. فالمطلوب ليس استنساخ نماذج جاهزة، بل تطوير عدالة ذات روح إنسانية، اجتماعية، واستثمارية، تستجيب لخصوصيات المجتمعات العربية.
لم يعد إصلاح منظومة العدالة خيارًا مؤجلًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء دولة القانون، واقتصاد قوي، ومجتمع متوازن. والانتقال نحو «محيط أزرق قضائي» داخل إيكوسيستم ذكي يمثل أحد أكثر المسارات واقعية لتحقيق هذا التحول.
فالعدالة اليوم لم تعد مجرد أداة للفصل في النزاعات، بل أصبحت بنية استراتيجية لإنتاج الثقة، وتحفيز النمو، وترسيخ الاستقرار.
