كتب/أحمد العلمي
نرى أنه من الحكمة التساؤل عما إذا كان الوضع الاجتماعي لكبار السن فعلًا أفضل في الماضي.
فعلى خلاف ما قد يعتقد، لم يحظ كبار السن، في كل الأزمنة وكل الأمكنة، دائمًا بالتقدير ولم يتمتعوا بمكانة اجتماعية جيدة، إن صورة الشيخ الحكيم في القرية أو داخل الجماعة، الذي يمتلك السلطة ويأمر بما يجب فعله أو تجنبه، ليست سوى صورة نمطية، وغالبًا ما تكون بعيدة عن واقع الممارسة الاجتماعية.
في كتابها الشيخوخة، تطلعنا الفيلسوفة الوجودية سيمون دو بوفوار على عدة أمثلة تبين فيها كيف اضطر كبار السن إلى مواجهة مصائر حزينة.
صحيحٌ أنّ السنّ يُحترم في كثيرٍ من المجتمعات، أو كما تقول دو بوفوار بوضوح:
من البديهي أنّ لدى الشيخ فرصًا أكبر للعيش في المجتمعات الغنيّة مقارنةً بالمجتمعات الفقيرة، وفي المجتمعات المستقرّة أكثر من المجتمعات الرحّل
عندما تكون الموارد الغذائية غير كافية، حتى بالنسبة لمن ينتجونها، يصبح المسنّون عبئًا على الجماعة. وهنا تتدخّل البُنى الفوقية الأيديولوجية لوضع القوانين وتبرير إقصاء المسنّين، أو حتى قتلهم.
يقدم لنا الفيلم الجميل «رحلة ناراياما» للمخرج الياباني شوهيه إيمامورا قصةَ أم يابانية تبلغ من العمر سبعين عامًا، تقرر، التزامًا بالتقاليد السائدة، أن تتسلق جبل ناراياما لتترك نفسها للموت، وذلك من أجل تمكين ابنها من الزواج، وما يعنيه ذلك من إضافة بطن جديد إلى من يعولهم، وتسند إلى ابنها الأكبر المهمة الحزينة المتمثلة في حملها على ظهره إلى ذلك الملجأ الأخير.
واستنادًا إلى بعض الأمثلة التي يوردها عالمُ الأنثروبولوجيا فريزر، تروي لنا المؤلّفةُ المذكورة سابقًا حالاتٍ لمسنّين دُفعوا، «في جزر فيجي ، إلى إنهاء حياتهم طوعًا؛ إذ كانوا يعتقدون أنّهم سيواصلون الحياة في العالم الآخر بالعمر الذي كانوا عليه عند مغادرتهم هذا العالم، ولذلك لا ينتظرون مرحلة الوهن والشيخوخة التي قد تلازمهم إلى الأبد»
إنه طرحٌ إقناعيّ صيغ بعناية لحثّ كبار السن على طيّ أمتعتهم ومغادرة هذا العالم، إذا كانوا يرغبون في البقاء بصحّة جيّدة في العالم الآخر.
قديماً في جنوب السودان، كانت قبائل الدينكا تدفن بعض المسنّين أحياءً، وذلك خلال طقوسٍ احتفالية يشارك فيها الضحايا المستقبليون أنفسهم. فهؤلاء الأشخاص، الذين يُعتقد أنهم يمتلكون مهارات أو قدرات معيّنة (مثل صانعي المطر، والرماة، وغيرهم)، والذين تظهر عليهم علامات الوَهَن، كانوا يُدفنون أحياءً تجنّباً لانطفاء حياة الجماعة بأكملها.
قبائل التروغلوديت في جنوب إثيوبيا، فينقل فوتيوس:
كان أولئك الذين أنهكهم التقدّم في السن وأصبحوا غير قادرين على متابعة تنقّلات القطعان، يُخنقون بذيل ثور يُلفّ حول أعناقهم ويُشدّ عليهم
وعلى النقيض من ذلك، في العديد من الحضارات التقليدية، ولا سيما لدى الشعوب العربية والأمازيغية، وكذلك في الحضارتين اليونانية والصينية، حظي كبار السن بمكانة رفيعة نابعة من علمهم وحكمتهم وذاكرتهم الجماعية. ففي المجتمعات القائمة على النقل الشفهي للمعرفة، شكّل الشيوخ مرجعية أخلاقية واجتماعية، وضَمِنوا تماسك الجماعة واستمرارية تقاليدها. وكان التقدّم في السن يُعدّ رمزًا للحكمة والهيبة، مما منح كبار السن دورًا محوريًا في التنظيم الاجتماعي والسياسي لهذه الحضارات.
