بقلم/ أحمد العلمي- باحث بأكاديمية بناة المستقبل الدولية بالمكتب الاقليمي لشمال افريقيا بالمغرب
قدم الدكتور المغربي أحمد العلمي، من كلية الآداب، قراءة فكرية مميزة حملت عنوان: “مكانة المرأة في الحضارة المصرية القديمة: بين الأسطورة والتاريخ”، في مقالة نوعية استوقفت الحضور، نظرًا لجرأتها البحثية وعمقها الفلسفي.
يسترجع الدكتور أحمد العلمي في مقدمة مقاله مشهدًا إنسانيًا حيًّا من اللقاء الأخير بالأكاديمية، حين لفتته الحيوية الكبيرة التي تتمتع بها الدكتورة مها فؤاد وهي تدير الجلسة، فتخطر على باله شخصية إيزيس رمز القوة والصبر في الميثولوجيا المصرية، ومن هذه اللحظة، تولّدت لديه فكرة كتابة نص يعيد إبراز صورة المرأة المصرية القديمة، لا بوصفها تابعًا، بل كقوة فاعلة تقاوم، وتحمي، وتؤثّر، وتقف ندًا للرجل في أسطورة الخلق وفي حركة التاريخ.
وفي مقاله، الذي قسمه إلى ثلاثة محاور رئيسية، يبحر الباحث في أعماق الموروث المصري القديم:
أولًا: المرأة في الميثولوجيا المصرية — إيزيس نموذجًا
يقدّم الدكتور أحمد العلمي سردًا تحليليًا لأسطورة إيزيس وأوزيريس، مستشهدًا برؤى فلسفية وتعريفات دقيقة للميثولوجيا، ليبرز كيف كانت المرأة في المخيال المصري القديم رمزًا للحياة، والانسجام، والعدل. ويؤكد أن الأسطورة لم تُخلَق للتسلية بل لتقديم تصور كوني عميق يؤمن بتكافؤ الجنسين وبتكاملهما في حفظ العالم.
ثانيًا: الملكات الفرعونيات — المرأة على العرش
يستحضر الباحث نماذج الملكات المصريات، وعلى رأسهن حتشبسوت ونفرو-سوبك وكليوباترا، ليؤكد أن المرأة المصرية لم تكن فقط مساوية للرجل، بل كانت حاكمة، وصاحبة قرار، وقادرة على إدارة الدولة وخوض التاريخ بصلابة وفكر. ويستند في تحليله إلى شواهد تاريخية ونقوش تؤكد أن المجتمع المصري القديم كان يمنح المرأة مكانة اجتماعية واقتصادية استثنائية.
ثالثًا: هيباتيا — أيقونة مصر القديمة
في فصل مُفعم بالروح الأدبية، يستعيد الدكتور أحمد العلمي سيرة هيباتيا، الفيلسوفة وعالمة الرياضيات التي شكّلت آخر شعلة للفكر الإسكندري، قبل أن تغتالها قوى الجهل والتطرف. ويستشهد بنصوص من رواية العزازيل ليوسف زيدان، ليُبرز أن اغتيالها لم يكن سوى اغتيال لقيمة العقل والإنسانية.
ويخلص الباحث إلى أن المرأة في مصر القديمة كانت شريكًا كاملًا في الحضارة: قائدة، ومشرّعة، وأمًا، وفيلسوفة، وحامية للكون، وأن تكريم المرأة كان ركيزة من ركائز التقدم، ورسالة صريحة تركها المصري القديم للأجيال اللاحقة.
ويختتم الدكتور أحمد العلمي مقاله بالإشارة إلى تجربة شخصية سابقة في الكتابة حول المرأة المغربية، مؤكدًا التزامه بنشر النسخة الكاملة من مقاله الحالي ضمن إصدار قادم لمجلة الأكاديمية.
