كتب/أحمدوصفي
في زمن يغلب فيه التسارع على التأمل، ويكاد يُنسى فيه الجمال في زحام البشاعة، هناك فنانون ما زالوا يلتقطون تفاصيل الحياة اليومية بعين عاشقة ويد تعرف الطريق إلى الروح. أحد هؤلاء هو الفنان التشكيلي الدكتور هاني رزق، أستاذ الرسم بكلية التربية الفنية – جامعة حلوان، والذي يقدّم عبر أعماله مشاهد مصرية أصيلة، تستلهم من الهوية وتعانق المعاصرة.
حيث نتعرف على مسيره فنية، وفلسفته البصرية، ودوره كمثقف مصري يرى في كل لوحة حكاية، وفي كل مشهد شعبي ملحمة من الجمال.
الطفولة… والبداية من الشرقية
نشئ الدكتور هاني رزق في محافظة الشرقية عام 1967، وسط أسرة تملك ذوقًا فنيًا عاليًا، الفن لم يكن غريبًا عن البيت، بل كان حاضرًا في الأحاديث، في الديكور، وحتى في نظرتنا للحياة.”
هذا الحس المبكر بالجمال صاغ شخصيته، ودفعه للالتحاق بكلية التربية الفنية عام 1986، ثم التعيين كمعيد بها في عام 1990، ليبدأ مسيرته الأكاديمية إلى جانب ممارسته الفنية المستمرة.
الرسم كاختيار ومصير
يرى د. رزق أن تخصصه في الرسم لم يكن مصادفة، بل نتيجة “حب التفاصيل”، كما يصفه. يقول:
“الرؤية هي جوهر عملي. أحب أن ألتقط الصورة بعين القلب، ثم أعيد تفسيرها بيدي. الرسم بالنسبة لي ليس مهارة فقط، بل فلسفة وحوار دائم مع الحياة.”
هوية مصرية في كل خط
عندما تتأمل لوحات د. هاني رزق، تشعر وكأنك تمشي في أحد شوارع مصر القديمة، أو تجلس وسط سوق شعبي نابض بالحياة. هو يؤمن بأن “الفن الحقيقي يجب أن ينتمي إلى بيئته”.
“أستلهم من الثقافة الإسلامية والقبطية والشعبية، لكن بأسلوب معاصر. أحاول أن أقدم رؤية جديدة، دون أن أقطع صلتي بالجذور.”
المعارض… محطات في مسيرة الإبداع
شارك الفنان في عشرات المعارض داخل وخارج مصر، ويعتبر كل معرض منها “فرصة لتبادل البصر والرؤية”.
ومن أبرزها:
معرض “حواديت مصرية” (2022) – قاعة الباب/سليم، دار الأوبرا المصرية
معرض المركز الثقافي الإيطالي
معرض “رؤية مصرية” – جاليري بيكاسو (2020)
معرض خاص في متحف أحمد شوقي
معرض بمتحف الفن المصري الحديث
عن تجربته يقول:
“في كل معرض، هناك جمهور جديد، ورؤية جديدة تُضاف لي. الفن ليس فقط ما يُعرض، بل ما يُفهم ويُشعر به.”
الفن عنده… رواية مصرية يومية
في لوحاته، لا يركّز د. رزق على الأشكال المثالية، بل يفتّش عن الجمال في التفاصيل المنسية:
“مصر ليست فقط حضارة فرعونية، بل تفاصيل يومية. من السوق إلى الزخارف، من الوجوه إلى الزوايا… كل شيء قابل للرؤية إذا نظرت بصدق.”
مستقبل الفن في مصر؟… باقٍ ما بقيت الحكاية
يؤمن الفنان بأن الفن في مصر سيظل حيًا ما دام الناس يحكون. لكنه يرى ضرورة وجود دعم مؤسسي أوسع ومساحات عرض جديدة.
“نحتاج إلى تربية بصرية حقيقية، تبدأ من المدارس وتُكمل في الجامعات. المجتمع الذي يعرف كيف يرى، هو المجتمع الذي ينتج فنًا حيًا.”
رسالته للشباب: لا تقلّد… كن أنت
في ختام الحوار، يوجه د. هاني رزق رسالة صادقة إلى الفنانين الشباب:
“لا تركضوا خلف التقليد، ولا تخافوا من التجريب، استلهموا من تراثكم، لكن لا تنسوا أن تصنعوا صوتكم البصري الخاص. الفن الصادق دائمًا يصل.”
الدكتور هاني رزق ليس فقط أستاذًا جامعيًا أو فنانًا تشكيليًا، بل هو “راوٍ بصري” لحكايات مصرية، يخطها بريشة تحترم الذاكرة وتحلم بالمستقبل. وفي زمن يتغير بسرعة، يبقى الفن عنده ثابتًا في انتمائه… ومتجددًا بملامحنا.