لماذا نتشبث بتقارير تقييم الاداء ؟
شاعت تقارير تقييم الأداء في أعقاب الحرب العالمية الثانية حين ظهر ميل لدى المؤسسات نحو تحديث أساليبها واتجاهاتها الإدارية. وتعتبر هذه التقارير من بقايا نظرية ممارسات إدارية كانت تسمى ”الإدارة بالأهداف“، وهي نظرية كان وقعها على الآذان جذابًا في ذلك الحين، مع أنها نادرًا ما كانت تؤتي ثمارها.
الإدارة بالأهداف، كما يشير المصطلح، نظام يستطيع المدير بموجبه وضع أهداف للقسم الذي يديره ثم يركز على ما يحتاجه كل موظف على حدة من أجل تحقيق هذه الأهداف.
سهَّل هذا الأسلوب الإداري أمورًا كثيرة. فمنذ البداية يحدد الموظف مع مديره أولويات العمل والأهداف والنتائج والمعايير والجداول الزمنية المطلوبة خلال فترة معينة قد تمتد إلى عام. فيحدد مثلاً عدد مكالمات البيع الهاتفي التي يجب إجراؤها، أو الاجتماعات التي يجب حضورها، أو المبيعات التي يجب تحقيقها، أو الوحدات التي يجب إنتاجها، أو المشكلات التي يجب حلها. وبعد الاتفاق على النتائج الملموسة، يمكن تقييم أداء الموظف بصورة موضوعية.
بهذه الطريقة يفترض ألا يضطر المديرون إلى مراقبة ما يفعله الموظفون في كل ثانية لأنهم صاروا يعرفون النتائج التي يجب أن يحققوها؛ فإن لم يفعلوا، فهذه مسؤوليتهم وحدهم. في ظل تقارير الأداء، صار الإشراف الإداري أسهل، وتوقف المديرون عن
التدخل في مهمات الموظفين لأن ثمة نظامًا يجعل هؤلاء الموظفين يسألون عن التزاماتهم ويحققون الأهداف المطلوبة منهم. وبانفصال المديرين عن موظفيهم، صار بوسعهم تجنب المساءلة في حالة وقوع مشكلة، مع ضمان حقهم في الترقي بصرف
النظر عن عدد الفاشلين من موظفيهم.
كانت الإدارة بالأهداف قفزة إدارية هائلة لأنها تحمِّل الموظفين مسؤولية نتائج مهماتهم بدلاً من العمل كل يوم بيومه دون ترتيب للأولويات ودون وضع للأهداف. ولكن سرعان ما أثبت هذا النظام فشله، خصوصًا عندما عمد أبو الجودة الإدارية العالمي ”إدواردز ديمينج“ إلى إبراز عيوبه. فقد لاحظ أن الموظفين الذين يتلقون تقارير إيجابية لا يفكرون في كيفية رفع أداء بقية زملائهم أو تحسين بيئة العمل أو نشر ثقافة النجاح داخل الشركة، ولا يتعاونون مع أعضاء فرقهم. فلماذا يفعلون ذلك وهم يرون أن أداءهم متميز كما هو وأن واجبهم يبدأ وينتهي عند تنفيذ المطلوب منهم لا أكثر ولا أقل؟!
صورة زائفة
عندما أدرك المديرون التنفيذيون العيوب التي تشوب الإدارة بالأهداف، حاولوا معالجتها بإيجاد بدائل أخرى تعكس بشكل أفضل الأهداف الأكبر والأسمى للشركة، لكنهم أتوا بالمزيد من الحلول غير العملية التي لم تحقق الغرض منها، مثل ”الإدارة بالقيادة
والتحفيز“ و”الإدارة بالمبادرة“ و”الإدارة بالاتصال الفعال“ و”الإدارة بروح الفريق“، وذلك لتحفيز الموظفين لأداء ما فيه مصلحة الشركة. ولكن هذه المعايير يصعب قياسها، بالإضافة إلى أنها لم تلهم الموظفين ليفكروا خارج الصندوق بروح إبداعية خلاقة ويتخطوا المعايير والقواعد المفروضة عليهم، فبقيت فكرة الإدارة بالأهداف موجودة في تقارير الأداء فقط. وبما أن التقييم الذي يجريه المدير يعتمد بصفة أساسية على معايير غير ملموسة (مثل: تعاون الموظف مع زملائه أو تحليه بمهارات قيادية معينة)،
فقد خاف الموظفون أن يحركوا المياه الساكنة، وبات الهدف الأهم بالنسبة لهم هو إرضاء مديرهم، فقرروا أن يدفنوا أفكارهم ويئدوا مقترحاتهم أمام ”حكمة“ المدير المزعومة، لتتحول القضية من: ”خدمة أهداف المؤسسة“ إلى: ”خدمة أهداف المدير“.
الأجر مقابل الاداء
تقارير الأداء ليست أكثر من وسيلة لتضليل الذات، ووهم ابتدعه المديرون المقتنعون بقدرتهم على الحكم بموضوعية ونزاهة على الآخرين، دون المحاباة التي تعتبر جانبًا فطريًا في طبيعتنا البشرية. لكن هناك أسبابًا أخرى تجعل تقارير الأداء عاجزة عن أن تعكس المستوى الحقيقي لأداء الموظف أو أن تحقق تواصلاً بينه وبين مديره. فبعض المديرين يوهمون موظفيهم بأن أجرهم يعكس مستوى أدائهم، وأن أكثر ما يهتم به التقرير هو الموظف، وأن المعايير المستخدمة لقياس الأداء مناسبة ودقيقة. نبدأ بالحديث عن الراتب بما أنه العنصر الأهم والأكثر تأثيرًا على الأداء. بالنسبة لمعظم الموظفين، ثمة هدف واحد من تقارير الأداء وهو أنها تمكنهم
من الحصول على أعلى مكافأة أو علاوة ممكنة.
فمن خلالها يخبرون مديرهم بالإنجازات المهمة التي حققوها خلال السنوات الماضية ليثبتوا له أنهم يستحقون الترقية والزيادة السنوية. وفي الواقع، تميل المؤسسات إلى ترسيخ القناعة لدى الموظفين بأن أجرهم مرتبط بتقارير أدائهم. هذه الفكرة قائمة على افتراض أن عالم الأعمال والمكاتب وكل الأقسام تعج بالمواهب الفذة، وهذا غير صحيح، وأن ميزانيات المؤسسات غير محدودة، وهذا أيضًا غير صحيح.
الحقيقة هي أنه لا علاقة بين حجم الأجر ومستوى الأداء، ومحاولة ربطهما أو دمجهما تؤدي إلى خلق سلوك زائف لدى الموظف، وتعيق الحوار الصريح.
كما يصعِّب على المديرين تقدير إسهامات موظفيهم، لأنه إذا ارتبط المديح والثناء بالأجر، فسيضطر المديرون إلى الامتناع عن بذل عبارات الثناء الإيجابية المشجعة خوفًا من أن يربط الموظفون بين هذا التقدير وبين الحصول على زيادة في الأجر أو علاوات ومكافآت لا تستطيع المؤسسة تقديمها، فينتهي الأمر بأن يشعر الموظفون بأن كلمات التقدير هذه ليست إلا عبارات جوفاء.
لا شك في أن هناك ”محاولات“ لتعويض الموظفين بناءً على جودة عملهم ومستوى أدائهم، ولكنها لا تتجاوز ذلك. فمثلاً، تعلن جامعات البحث العلمي أن جودة العملية التعليمية هي أهم شيء، وأحيانًا تولي المناصب العليا للمدرسين والأساتذة المتميزين الذين ينكبون على إعداد ونشر الأبحاث العلمية. ولكن هذه الاستثناءات تغذّي الوهم بأن الجودة أمر يهم المؤسسات، في حين أن أكثر ما يهمها هو إنجاز الكثير في وقت قليل، لأكبر عدد من العملاء أو الرؤساء، لتحقيق أفضل النتائج.
الهدف الحقيقي من تقارير الأداء
الغرض الأساسي من تقارير الأداء ليس طرد الموظفين منخفضي الأداء، وإنما مساعدة جميع الموظفين على التقدم والتطور وتحسين مهاراتهم، مما يعزز أداء الشركة ككل، لأن الموظف الكفء المنتج لا يفيد نفسه فقط، بل يفيد زملاءه ومديره وشركته ونفسه.
لكن تقارير الأداء تفعل العكس، فهي لا تحفز الموظفين أو تنمي مهاراتهم أو ترفع أداءهم، بل تعيقهم وتثبط معنوياتهم وتجعلهم يبخلون بمجهودهم وغير راغبين في التعامل مع نقاط ضعفهم، حتى يصلوا إلى مرحلة تطغى فيها أفكارهم السلبية، فيكرهون الاستيقاظ في الصباح والذهاب إلى عملهم.
هناك من سيقول إن هذا تفاؤل مفرط أن نعتقد أن الموظفين يريدون أن ينموا ويتطوروا، فمعظمهم لا يريد شيئًا غير أن ينهي عمله ويقبض راتبه وكفى.
لكن هذا غير صحيح، لأن كل الناس يسعون في أي عمر وأي زمان ومكان إلى اكتساب مهارات جديدة وتطوير أنفسهم وصقل مواهبهم، لأن حافز النمو موجود لديهم سواء أكانوا في عملهم أم في بيوتهم.
لكن إذا كان هناك موظفون كل همهم هو الحصول على راتبهم في نهاية الشهر، فلن تكون المشكلة فيهم، وإنما في بيئة العمل التي تجردهم من الحوافز الذاتية والحوافز الخارجية. يحرص معظم الموظفين خلال سعيهم لتنمية أنفسهم على استشارة من يثقون برأيهم. فلو كانت المشكلة شخصية، فإنهم سيتجهون إلى صديق أو قريب أو زميل أو طبيب نفسي. ولو كانت متعلقة بمهارة معينة، فسيبحثون عن شخص يقتدون به، أو يتلقون دورة تدريبية، أو يسألون خبيرًا أن ينقل إليهم معرفته وخبرته. ولكن عندما يتعلق الأمر بالعمل، يصبح الوضع معقدًا. فأنت قد تطلب المساعدة والنصح في مشكلة مهنية من نفس الشخص الذي تستشيره في مشكلة شخصية، مثل صديقك أو شريك حياتك، فيكون آخر من تلجأ إليه هو من يجب أن يكون على رأس القائمة؛ ألا وهو: مديرك. فالموظفون عندما تواجههم مشكلة في عملهم، يرفضون استشارة الشخص الذي تعتمد عليه الشركة في رفع أدائهم؛ أي مديرهم المباشر. لماذا؟ حتى لا يعرف نقاط ضعفهم ويسجلها في تقارير أدائهم، فتنخفض تقديراتهم ويفقدون علاواتهم. وبذلك سيتنافس الموظفون على الدرجات والعلاوات، لا على التعلم والنمو وتحقيق قيمة ذاتية مضافة، أو قيمة مؤسسية مضافة.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثالث إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي