جريدة عالم التنمية

الجزء الثالث من تلخيص كتاب “المتانة” تأليف : نسيم نيوكلاس طالب


التعلم من أخطاء الآخرين
يقربنا سقوط كل طائرة من الأمن، فمن شأنه تحسين منظومة الطيران، وجعل الرحلة القادمة أكثر سلامة: إذ يسهم موت البعض في نجاة الآخرين. فرحلة ،“ ”سويس إير 111 “، ورحلة ”تي دابليو إيه 800 و”إير فرانس 447 “ أسهمت في تحسين نظم الطيران.
ويعزى متانة منظومة الطيران لكونها مضادة للهشاشة لأنها مُصممة للاستفادة من الأخطاء الصغيرة. لكننا لا نستطيع تطبيق نفس القاعدة على الانهيارات الاقتصادية لأن النظم الاقتصادية غير مُصممة لتكون متينة. لماذا؟ فهناك مئات الآلاف من الرحلات الجوية كل عام، وسقوط طائرة واحدة لا يعني أنالبقية ستسقط حتمًا. ومن ثم، تبقى أخطاء هذا المجال محدودة وقابلة للفهم، بينما تعمل النظم الاقتصادية وكأنها وحدة واحدة، مما يسمح للأخطاء بالانتشار والتراكم.
نعم للحرب وتباً للسجن
بينما كانت ”لبنان“ تتمتع بكل مميزات الدولة الثرية (كالبيئة الجاذبة للاستثمارات والزراعة والسياحة الناجحة) كانت حكومتها تتسم بضعف شديد سمح للطوائف ولمليشياتها بامتلاك الأسلحة، الأمر الذي تسبب في التسابق إلى التسلح بين أطياف الوطن
الواحد. يضاف إلى ما سبق غياب التوازن بين تلك الطوائف: فقد باتت الجماعات الدينية تفرض هويتها على المكان. ورغم كون الفوضى أمرًا منعشًا، كانت ”لبنان“ أكثر فوضى مما ينبغي، وهو الأمر الذي كان يشبه السماح لرؤساء عصابات المافيا في ”نيويورك“ بحشد جيوش يفوق عددها الجيش النظامي الأمريكي. اجتمعت كل تلك العوامل لتشعل فتيل الحرب الأهلية .
في ”لبنان“ عام 1975 ولكني مازلت أتذكر جملة قالها أحد أصدقاء جدي، وهو من تجار ”حلب“ الأثرياء الذين فروا من نظام حزب البعث في ”سوريا“. فحين سأله جدي: ”لماذا لم تعد إلى موطنك؟“ قال: ”إن أهل ”حلب“ يفضلون الحرب على السجن.“ فالسجن بالنسبة إليه يعني فقدان الحرية الاقتصادية والسياسية.
وبالمثل يفضل الاقتصاد الحرب على السجن: فمنذ قرن من الزمان، كان أهل ”لبنان“ وشمال ”سوريا“ يمتلكون نفس الثروة على مستوى الأفراد (والتي يسميها خبراء الاقتصاد الناتج الإجمالي المحلي)، وكانت لديهم نفس الثقافة، واللغة، والأعراق، والمأكولات، وحتى نفس النكات.
لقد كان كل شيء متشابهًا، باستثناء حكم حزب البعث في ”سوريا“، بعكس حكومة ”لبنان“ الطيبة! فرغم الحرب اللبنانية التي ذهب ضحيتها الآلاف من اللبنانيين، وتشتت الباقون فكريًا، وتراجعت الثروة والاقتصاد عقودًا إلى الخلف، ورغم انتشار الفوضى، فإن ”لبنان“ اليوم تتمتع بمستوى معيشة يفوق ”سوريا“ بنحو 3 إلى 6 أضعاف. وهذا ليس جديدًا، فقد سبق ل”ماكيافيلي“ تناوله، بل
وينقله لنا ”جان جاك روسو“ قائلاً: ”يبدو أن البلاد تصبح أكثر قوة، ومواطنوها أكثر تقوى في أثناء الحروب الأهلية… فقليل من التوتر يقوي النفس.
فليس السلام هو سبب رخاء الجنس البشري، بل الحرية.“
الحياة صفقة : ثمن الاستقرار هي الفوضى
البحث عن الاستقرار من خلال وضع النُظم الاقتصادية والسياسية غير المتغيرة يشبه ما يفعله مصاص الدماء بضحاياه. ولدينا قائمة طويلة ومزعجة من الحكام الذين فعلوا ذلك أقربهم إلى ذاكرتي ما فعله النظام الحاكم ب”مصر“ قبل أحداث يناير 2011 . لقد دعمت ”الولايات المتحدة“ النظام المذكور لمدة أربعة عقود ”لتجنب الفوضى“، الأمر الذي أدى إلى تكوين زمرة من ”اللصوص الوجهاء“ الذين استغلوا سلطاتهم في السيطرة على مقاليد الأمور. فهم مثل قادة البنوك الذين رفعوا شعار ”نحن أقوى من أي فشل“ لخداع دافعي الضرائب والحصول على أرباح ضخمة.
الوجه القبيح للعلاج
في بعض حالات استئصال اللوزتين لدى الأطفال، يتعرض الطفل الذي يُجري جراحة لا لزوم لها لكثير من الأضرار، وبخاصة إن كان العلاج هو مصدر رزق لآخرين: وهذا ما نطلق عليه اسم ”خطورة العلاج الزائد عن الحد“ أو ما كان يسميه اليونانيون القدماء ”الضرر الذي يسببه المعالجون“. وقد تم غلق هذا الملف في اليوم الذي اخترع فيه البنسلين، والذي وجد الباحثون أضراره تفوق فوائده: فكثرة الذهاب إلى الطبيب تقتلك.
وبسبب التطور التقني، ونشأة العيادات الخاصة التي استعاض الناس بها عن العلاج المنزلي، ارتفعت نسبة الوفيات: فثمة ما نطلق عليه ”جنون المشفى“ أي أن المستشفيات تحولت في وقت من الأوقات إلى ”مقابر جماعية“. والدليل على ارتفاع معدل الوفيات هو حدوث عدد كبير منها في مكان واحد: المشفى؛ في حين كان من الممكن تقليص هذا العدد إن لم يدخل كل
هؤلاء المرضى المستشفيات.
غير أن الطب تقدم، وبخاصة في مجال دحر العلاج غير المجدي؛ إذ بات الأطباء يلتفتون إلى مضاعفات العلاج المذكور ويسيطرون عليها. وعلى الرغم من أن الأخطاء الطبية تقتل من ثلاثة إلى عشرة أضعاف من تقتلهم حوادث السيارات في ”أمريكا“ وحدها،
يمكننا التسليم بحقيقة كون أخطاء الأطباء تتسبب في زيادة نسبة الوفيات أكثر من الإصابة بمرض السرطان في جميع الأحوال.
تُعد التوعية بأضرار التدخل الطبي غير المرغوب فيه مهمة شاقة: إذ إن تلك المسألة غير متداولة خارج الأوساط الطبية (أي بين من يتعذر عليهم فهم مخاطرها).
لكن الحديث عن شيء ما في العديد من المحافل يزيد من الوعي به. ومن المنتظر أن ننشر المعرفة بالابتعاد عن المبالغة في الحرص (كالعلاج، والأكل وغيرها) في العلوم السياسية، والاقتصاد، والتخطيط العمراني، والتعليم وغيرها من المجالات.
جنون الإعلام
تُصدر وسائل الإعلام الكثير من الجلبة والضوضاء حين تشرع في التضخيم من شأن حدث أو صناعة ما نسميه بال”فرقعة“. من ثم، تجدنا نحيا في واقع افتراضي، وقد انفصلنا عن العالم الواقعي، وهذا الانفصال يزداد يومًا بعد يوم. فمثلاً، يموت نحو 6200 شخص يوميًا في ”الولايات المتحدة“ لأسباب يمكن تفاديها؛ لكن الإعلام لا يهتم إلا بإعداد تقارير عن أكثر الأسباب إثارة وتشويقًا مثل الأعاصير، والحوادث الغريبة، وتحطم الطائرات الصغيرة) وهو أمر يعطينا صورة مشوهة عن المصادر الحقيقية للمخاطر. في الماضي كانت المعلومات هي مصدر الإثارة، إلا أن الأمور تغيرت كثيرًا في عصرنا الحديث. بالمثل، نجد وسائل الإعلام بدلاً من التوعية؛ تنشر الأوهام.
الإعلاميون يتطلعون إلى الماضي كي يكتبوا عن المستقبل، فهم مثل القادة الذين كانوا يرسلون الجيوش بعد اندلاع الحرب، أو كمن يطلب تشديد أمن الطائرات بعد الإقلاع! ولأننا اعتدنا الاستقرار، يتعذر علينا أن نطابق خريطة العالم بالواقع الملموس، من ثم، صرنا نعيش في عالم أكثر هشاشة متخيلين أنه أكثر متانة. أفضل طرق تقليص التدخل غير المرغوب فيه هي تقنين ما يصلنا من معلومات. بطبيعة الحال، يتعذر قبول هذا في عصر الإنترنت: فكلما ازداد كم البيانات التي نحصل عليها، قلت معرفتنا بما يحدث حولنا، مما يجعلنا نمعن التدخل فيما لا يعنينا، فلم يزل الناس يعيشون في وهم ”كثير من العلم يساوي مزيدًا من البيانات.“
الخلط بين المبهم والسطحي
حين كتب ”فريدريك نيتشه“ كتاب ”مولد المأساة“، كان في العشرينيات من عمره، وكان الغرض من تأليفه لهذا الكتاب دحض نظرية ”سقراط“ (والذي لقبه بمعلم الأسرار) بأن كل ما هو مرئي مفهوم. وفي السطور التالية، يفضح ”نيتشه“ مغالطة ”سقراط“ بقوله: ”كان يجب على سقراط أن يسأل نفسه: أليس من الممكن أن لا يكون ما هو مبهم بالنسبة إليَّ أمرًا سطحيًا أو تافهًا بالضرورة؟
ربما يوجد مجال للحكمة (أو الفلسفة) قد كان سقراط غافلاً عنه.“ كان ”نيتشه“ قاسيًا في جدله ضد نظريات ”سقراط“ لدرجة جعلته يرفض جل ما آمن به الأخير. إذ أغضب ”نيتشه“ الافتراض بأن المعرفة دواء لكل داء، وأن الخطأ شر، وأن العلم هو مصدر
التفاؤل. لقد أثار كل هذا حفيظة ”نيتشه“ لأنه كان يؤمن بوجود عوالم غامضة لا نعرف عنها شيئًا، على العكس من ”سقراط“ الذي آمن بأن كل ما هو مرئي حقيقي والعكس صحيح، وأنه من الخطأ تسخير العلم والمعرفة في خدمة المدينة الفاضلة والتي لم يثبت وجودها بعد.
دعنا من التشاؤم المتصل باسم ”نيتشه“، فعلى أية حال ما نريد إيضاحه هو أن ”نيتشه“ شك في صحة المعرفة (وكما ذكرنا في الفقرة الخاصة بالإعلام أنه ليست كل المعلومات صحيحة ومفيدة).
باختصار، يعد البشر متينين إن استفادوا من التقلبات، جاعلين فوائدها تتفوق على مضارها. فإذا كنت قد نجحت في الماضي، فهذا لا يعني أنك غير قابل للكسرلكنك ستحافظ على نجاحك إذا واجهت الضغوط، ولم تحاول الهروب وتجنب الفوضى، وأنك ستُضار بسبب حرصك على تجنب الضغوط والفوضى.
نقلا عن www.edara.com
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات