جريدة عالم التنمية

الجزء الأول من تلخيص كتاب “المتانة” تأليف : نسيم نيوكلاس طالب


كيف تستزيد وتستفيد من الضغط الشديد
من الفوضي نستفيد
هذه الخلاصة مختلفة: فهي لا تعطي درسًا في إدارة الأزمات، أو منع الجرائم قبل وقوعها، بل في الاستفادة من العشوائية، والهرج والمرج الذي تبعثه كل تلك الأحداث وتطويعها إلى خير البشرية… فلسنا بصدد تحييد الآثار السلبية للفوضى، أو دعم مواطن القوة لدى من يواجهونها، بل بالأحرى إلى تبني تلك الفوضى وتحويلها إلى قوة دافعة نحو العمل والبناء. من قلب الفوضى أكتب، ومن أعماقها أحاول الخروج بتطبيقات علّي أشارك في تغيير المستقبل وجعله أرقى وأفضل.
الريح التي تلهب الشمعة ، تلهب النار
لا تخف العشوائية حتى لا تصبح فريسة للظنون، أو تربكك الفوضى تمامًا: اجعلها أدواتك وطوع يديك، لا أشباحًا تخاف منها: فأنت نار تتوق إلى الرياح.
تلخص هذه العبارة حماس ”نسيم طالب“ للصدفة ولعنصر المفاجأة. نحن لا نود أن نحيا الفوضى فحسب، بل نريد صناعتها، ترانا نطمح إلى ما هو أكثر من ذلك: أي أن تكون لنا الكلمة الأخيرة وأن لا نهتم بالحزن، أو الخوف، أو الألم، أو حتى السعادة لأننا باختصار صناع كل ما نريد؛ ويتمحور دورنا حول استئناس كل ما هو غير مرئي، أو معتم، أو غير مفهوم، أو السيطرة عليه، أو حتى دحره.
ذوو المتانة
تشير هذه الفئة إلى كل من يقوى بالصدمات، بل تراه ينهل من التقلبات، والفوضى، والضغوط، والمخاطر، والمغامرات. ورغم تفشي جميع الظواهر سالفة الذكر، لا يوجد مصطلح بعينه أو كلمة واحدة نصف بها تلك الصفة التي تمثل عكس كلمة ”هش أو ضعيف“ بشكل دقيق. من ثم، سنطلق على كل من ينهل من الفوضى والضغوط لقب ”المضاد للهشاشة“.
فما هو متين يفوق كل مستويات المرونة أو حتى القوة: إذ يقاوم المرن الصدمات ويبقى كما هو، أما المتين فإنه يتحسن للأفضل. يعد امتلاك هذه الصفة هو السبب الرئيس لتغير أي شيء بمرور الوقت: بدءًا بالتطور، والحضارة، والفكر، والثورات، والنظم السياسية، والتطور التقني، والنجاح على الصعيدين الثقافي والاقتصادي، وصمود المؤسسات، ووصفات الطعام الشهي كحساء الدجاج، ونهضة المدن، والحضارات، وتطور القوانين، وخضار الغابات الاستوائية ووصولاً إلى بقاء الجنس البشري على كوكب الأرض.
تضع المتانة حدودًا بين كل ما هو حي أو مركب مثل الجسم البشري وكل ما هو خامل أو جامد مثل المكتب أو أدواته.
فكل ما هو متين يعشق العشوائية وعدم اليقين، ويميل إلى الوقوع في بعض الأخطاء؛ ومن شأن المتانة أن تجعلنا نقدم على المجهول، أو نتعامل مع أشياء قد لا نفهمها جيدًا وننجح في هذا التعامل. فنحن أفضل في الأفعال، لا الأقوال بفضل المتانة. إذ يفضل البعض الغباء مع المتانة على الذكاء الشديد مع قابلية الهشاشة.
فمن السهل أن نطبق مقياس المتانة على كل ما يحيط بنا فيما نمر به من ضغوط، وتقلبات مثل النظم الاقتصادية، وأجسامنا، وغذائنا، وبعض الأمراض (مثل السكري وأمراض العصر المرتبطة بغياب العشوائية في التغذية وغياب عنصر الضغط في الامتناع العرضي عن الطعام). بيد أن هناك تعاقدات مالية مميتنة: لأنها مصممة خصيصًا للاستفادة من تقلبات السوق.
كيف تصبح الضغوط نعمة
إن كانت كل الأنظمة المتينة هي التي صمدت، فهذا يعني بالضرورة أن إبعاد تلك الأنظمة عن التقلبات، والعشوائية، والضغوط سيتسبب في الإضرار بها. إذ ستوهن فتموت، أو تنفجر. فلم نزل نعرض اقتصادنا، وصحتنا، وحياتنا السياسية، ومنظومتنا التعليمية
للهشاشة بحمايتها من التقلبات والعشوائية: كأن تقضي شهرًا في الفراش وبين يديك النسخة الكاملة لرواية ”الحرب والسلام“، والاستماع إلى نحو 86 حلقة من مسلسل ال”سوبرانو“، وهو أمر من شأنه تعريضك لضمور العضلات، والوهن، بل والموت:
لأنك أقصيت كل عناصر الضغط.
إن التطور الذي حظي به عالمنا حرمه نعمة الضغوط بفعل ابتكاراته وسياساته التي لا تحتاج المتانة. إننا نعاني مأساة الحداثة: فكلما ازدادت حماية الآباء لأبنائهم، ازدادت هشاشتهم.
ترياق البجعة السوداء “ذو الجهالة في الشقاوة ينعم “
يطلق مصطلح ”البجعة السوداء“ على تلك الأحداث ذات العواقب الوخيمة، والتي لا يستطيع المراقبون التنبؤ بها ويفاجأون ويضارون بسببها.
تحدث معظم كوارث التاريخ بفعل تحصيننا لأنفسنا ضد ”البجع الأسود“: إذ لا ننفك نجري التعديلات الدقيقة على استيعابنا لكل ما هو معتاد، وتطوير نماذج ونظريات تعجز عن التنبؤ بتلك الصدمات المباغتة المسماة ”بجعة سوداء“.
يستولي البجع الأسود على عقولنا بشكل يجعلنا نبدو وكأننا تنبأنا به حيث إن تلك الظاهرة قابلة للتأويل بأثر رجعي. من ثم، لا نستطيع إدراك الدور الذي يلعبه البجع الأسود في حياتنا بسبب أوهام التنبؤ المشار إليها: فالحياة كالمتاهة التي لا نستطيع الخروج منها، غير أن عقولنا قد اعتادت تحويل حركة التاريخ إلى حركة خطية (بعكس الحقيقة فحركة التاريخ دائرية وما يحدث اليوم قد يتكرر بشكل مختلف بعد بضعة عقود، أما عن الحركة الخطية فهي توحي بحتمية التغير أو التطور: بالتالي يعترينا الوهم أنه من الممكن صناعته أو تشكيله) الأمر الذي يجعلنا نقلل من شأن التقلبات، أو نخشاها حين نراها تحدث. وهكذا يقودنا الخوف من الفوضى والتعطش إلى النظام إلى صناعة نظم من شأنها تعطيل مسار أو تشويش منطق الأمور غير المرئية، ويعرضنا للاصطدام بالبجع الأسود: فحين ننشد نظامًا مثاليًا، فإننا نحصل على نظام كاذب؛ لأننا لا نحصل على النظام المثالي إلا حين نتقبل الفوضى.
تعج الأنظمة المعقدة بالتشابك الذي يصعب تتبعه أو التخطيط لمواجهته. وتعني كلمة ”التخطيط“ في هذا السياق أنه حين نضاعف من جرعة دواء بعينه، أو عدد موظفي أحد المصانع، فإننا لا نحصل على ضعف التأثير الأصلي، بل نزيده أو ننقصه. فقضاء عطلتين متتاليتين لنهاية الأسبوع في أحد المنتجعات لن يمنحنا ضعف متعة قضاء عطلة واحدة. وبالمثل لا يعطينا التطور التقني فرصة التنبؤ بالمزيد من الأحداث، لأنه يطمس المزيد من الحقائق. ولأسباب تتعلق بزيادة كل ما هو مزيف أو اصطناعي، راح الناس يتركون الزائف والحقيقي على حد سواء. كما أن التعقيد الممنهج في تصميم بعض الأجهزة (كالمحمول مثلاً) قد أفقدها قوتها. وقد زادت كل هذه العوامل من الآثار السلبية للبجع الأسود وجعلتنا ضحايا لداء ”جنون التحديث“ الذي يجعلنا نبني نظمًا سريعة العطب أو بعبارة أخرى سريعة التأثر بالبجع الأسود.
القوة وحدها لاتكفي
الطبيعة ليست آمنة فحسب، بل هي جبارة في التدمير والإحلال، والانتقاء والتعديل. فحين تعتريها التقلبات، لا تكتفي بالقوة، بل تعطي مكانًا للضعف، والانحناء أمام الرياح. وهذا هو السبب وراء صمود كوكب الأرض لبلايين السنين: إذ إن قسوة الزمن لم تحطمه.
فلو كانت الأرض كاملة القوة، لحطمها أصغر شرخ، ونظرًا إلى تعذر بلوغ القوة المطلقة، يحتاج البشر إلى آلية تساعد أية منظومة على تجديد ذاتها من خلال استغلال التقلبات، والصدمات والضغوط، غير المتوقعة، لا الهروب منها.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات