بقلم : د. عثماني سعيد
التحقيق مرحلة قضائية تستهدف الكشف عن الحقيقة، والبحث عن كافة الأدلة الضرورية واللازمة لإتباب الجريمة، وله معنيان أولهما لغوي والثاني اصطلاحي.
يقال في اللغة حق الخبر: وقف على حقيقته، حقق القول أو الظن صدقه، تحقق الرجل الأمر: تيقنه. الحقة: حقيقة الأمر. حقق: أكد. أحق الأمر: أوجبه وصيره حقاً لا يسك فيه. تحقق الحبر: ثبت. أي إن التحقيق بالمعنى اللغوي إثبات الأمر على الجاني.
تعددت التعريفات بشأن التحقيق، فقيل إنه جميع إجراءات التحقيق التي يباشرها المحقق الجنائي عند وقوع جريمة أوحادث توصلاً إلى معرفة الحقيقة. وإنه “العلم الذي يوضح للمحقق معالم الطرق ويرشده إلى كيفية البحث والسير في جمع الأدلة والتحقيق ومباشرة إجراءاته منذ أول إجراء يأتيه”وإنه “مجموعة من الإجراءات المشروعة التي يلجأ إليها المحقق في سبيل كشف غموض الجريمة من حيث معرفة مرتكبها، وسبب ارتكابها، وكيفية ارتكابها، ومكان وزمان ارتكابها، يستوي في هذا قيامه بهذه الإجراءات بنفسه أم استعانته بغيره في القيام بها.
على الرغم من وجود تشابه كبير بين التحقيقفي الجرائم المعلوماتية وبين التحقيق في الجرائم الاخرى فهي جميعا تحتاج الى إجراءات تتشابه في عمومها متل المعاينة والتفتيش والمراقبة والتحريات والاستجواب والخبرة بالإضافة الى جمع الادلة، كما انها تشترك في كونها تسعى الى الاجابة على الاسئلة المشهورة لدى المحقق، مادا حدت؟ واين؟ ومتى؟ وكيف؟ ومن؟ ولمادا؟
تظل الجرائم المعلوماتية تمتاز عن غيرها من الجرائم ببعض الخصائص وهدا بالطبع يستدعي تطوير أساليب التحقيق الجنائي وإجراءاته بصورة تتلاءم مع هده الخصوصية، وتمكن المحقق من كشف الجريمة والتعرف على مرتكبيها بالسرعة والدقة اللازمين في التحقيق في هدا النوع من الجرائم يستدعي الرجوع الى عدد كبير من السجلات التي يجب الاطلاع عليها متل الكتيبات الخاصة بأجهزة الحاسب الالي، ملفات تسجيل العمليات الحاسوبية، بالإضافة الى الاطلاع على كم كبير من السجلات عن خلفية المنظمة وموظفيها. كما وأن يتم في الكثير من مراحله سوف يتم في بيئة رقمية، من خلال التعامل مع الحاسوب والشبكات ووسائل التخزين ووسائل الاتصال.
المبحث الاول: خصائص التحقيق الاعدادي وسلطات قاضي التحقيق
التحقيق الاعدادي إجراء يهدف إلى استكمال جمع الحجج التي للمتابع أو عليه من طرف سلطة قضائية، فقاضي التحقيق إذن هو السلطة الثالثة المكلفة بالتحري عن الجرائم مع الضابطة القضائية والنيابة العامة ويعين بقرار لوزير العدل لمدة ثلاث سنوات من بين المستشارين أو رؤساء الغــــــرف.
المطلب الأول: خصائص التحقيق الاعدادي و الاجراءات الخاصة به
باستقراء قانو المسطرة الجنائية المغربي، يتبين أن التحقيق الإعدادي هو مجموعة من التحريات تستهدف استكمال جمع الحجج، التي في صالح المتابع أو ضده من طرف سلطة قضائية مختصة، يحق لها في نهاية الأمر أن تقرر إذا كان مناسبا أو غير مناسب إحالة القضية على المحكمة.
وعليه يمكن القول بأن لقضاء التحقيق مهمة مزدوجة، تتمثل من جهة في جمع الأدلة المثبة للجريمة التي توبع من أجلها المحقق معه، ومن جهة ثانية في تقدير قيمة تلك الأدلة لمعرفة ما إذا كانت كافية للاستمرار في المتابع.
ويتميز التحقيق الإعدادي بعدة خصائص، أبرزهاأنه ذو طبيعة قضائية، إذا أن قاضي التحقيق حكم وليس خصما، ولذا فإن من الواجب عليه أن يجمع الحجج بحياد تام، كما أنه ينجز هذا التحقيق تحت مراقبة الغرفة الجنحية، أما الخاصية الثانية هو أن التحقيق يغلب عليه طابع السرية والكتابة (النظام التفتيشي) والعينية والحضوري.
الفقرة الاولى: نطاق التحقيق
يختلف نطاق التحقيق باختلاف الزوايا المنظور إليه منها، كالأفعال الخاضعة للتحقيق والأشخاص الخاضعين له، والهيئات المكلفة بإجرائه والمجال المكاني.
فمن زاوية الأفعال الخاضعة له، فهناك من يعتبر التحقيق إجباري فيها، وأخر يعتبرالتحقيق فيها اختياري، فالنسبة للتحقيقالإجباري وطبقا لمقتضيات المادة83 من قانون المسطرة الجنائية فإنه يشمل الجرائم التالية:
– الجنايات المعاقب عليها بالإعدام.
– الجنايات المعاقب عليها بالسجن المؤبد.
– الجنايات التي يصل الحد الأقصى فيها للعقوبة30 سنة.
– الجنايات المرتكبة من طرف الأحداث.
– الجنح التي يوجد فيها نص يقضي بوجوب إجراء التحقيق فيها.
أما بالنسبة للأفعال التي يكون فيها التحقيقاختياري وطبقا لنفس المادة هي كالتالي:
– الجنايات التي تقل عقوبتها عن30 سنة.
– الجنح المرتكبة من طرف الأحداث.
– الجنح التي يكون الحد الأقصى للعقوبة المقرر لها خمس سنوات أو أكثر.
من خلال هـﺫه المقتضيات يظهر أن مشرع قانون المسطرة الجنائية الجديد، وسع من جديد الأفعال الخاضعة للتحقيق إلا أنه بالرغم من هـﺫا التوسع، فهو غير إجباري في جميع القضايا المعروضة أمام المحاكم العادية، هـﺫه الأخيرة التي تزخر بتعددية في الهيئات المكلفة بالتحقيق، والتي تتشكل من قضاة التحقيق الـﺫين يتم تعينهم بقرار لوزير العدل على غرار ما كان يتم بمحكمة العدل الخاصة، وهذا أمر فيه مساس باستقلال السلطة القضائية، بالإضافة إلى كون أنه كان من الأفيد ترك القيام به لجهة تستقل تماما عن جهة الحكم، نزولا على ما تقضي به الأحوال الإجرائية المعتبرة التي تمنع جمع سلطتي التحقيق والحكم في يد واحدة
ومن خلال تتبعنا لنصوص قانون المسطرة الجنائية الجديد، خصوصا المواد83. 238 .362 والتي يمكن القول من خلالها أن نطاق التحقيق كان وسطيا، إذ قام بتوسعه من هامش الجرائم التي أضحت بمقتضى القانون الحالي للمسطرة تخضع للتحقيق الإعدادي لزوما (مادة83 )، وفي هامش ﺫلك أصبحت إمكانية اللجوء فيها للتحقيق اختيارية.
الفقرة الثانية: الجهات التي يرجع لها القيام بالتحقيق الإعدادي
يعهد القانون بمهمة التحقيق إلى قاضي التحقيق بصفة أساسية، غير أن القانون يسمح أيضا لقاضي التحقيق، أن ينوب عنه أحد ضباط الشرطة القضائية.
1 – الجهات المكلفة أساسا بالتحقيق
* قاضي التحقيق
يتعلق الأمر بالقضاة المكلفين أساسا بالتحقيق الإعدادي، والمحددين في المادة52 من ق م ج.
والملاحظ أن هذه المادة، استحدثت قضاة التحقيق أمام المحاكم الابتدائية، إلى جانب قضاة التحقيق، أمام محاكم الاستئناف، وقد سبق القول بأن تعينهم يكون من طرف وزير العدل، باقتراح من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف، أو من طرف رئيس المحكمة الابتدائية، كل حسب اختصاصه.
والملاحظ هو انه يجوز لوزير العدل، أن يتولى تعيين قاضي التحقيق بصفة مؤقتة لدى محكمة الاستئناف عن طريق ما يسمى بمسطرة الانتداب، وتقتضي هذه المسطرة أن يعين وزير العدل قاضي التحقيق لمدة لا تتعدى3 أشهر يجوز تمديدها لمدة مماثلة.
هـﺫا ويبث قاضي التحقيق بمفرده في القضايا المعروضة عليه (القضاء الفردي)، وعند استئناف قراراته، تبث الغرفة الجنحية في الطعون برئيس ومستشارين (القضاء الجماعي)، وفقا لأحكام المادة231 من قانون المسطرة الجنائية .
ويباشر في تحقيق مهامه، بعد تكليفه بإحدى طرق التكليف الثلاثة وهي، الملتمس المقدم من طرف النيابة العامة، أوالادعاء المباشر من طرف المطالب بالحق المدني، أو بتنفيذ الإنابة القضائية الموجهة من طرف التحقيق وفق شروطها.
* الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف
الغرفة الجنحية، هيئة قضائية تابعة لمحكمة الاستئناف، تتشكل من الرئيس الأول، أو من ينوب عنه ومستشارين اثنين، وتعقد جلساتها بحضور ممثل النيابة العامة، وكاتب الضبط، ومن بين الاختصاصات الممنوحة لهـﺫه الغرفة، تدابيرالوضع تحت المراقبة القضائية المتخذة طبقا للمادة160 من قانون المسطرة الجنائية، وكذلك فيطلبات بطلان إجراءات التحقيق، المنصوص عليها في المواد210.213 ق م ج وكذلك فيالاستئنافات المرفوعة ضد أوامر قاضي التحقيق ( م222).
وما يهمنا من هذه الاختصاصات أن هذه الغرفة درجة ثانية من درجات التحقيق الإعدادي.
2 – الجهة المكلفة استثناءا بإجراء التحقيق
يجرى التحقيق بصفة استثنائية من طرف جهات غير قاضي التحقيق، وﺫلك في الأحوال التي يوجد فيها نص خاص، أو حالة الإنابة القضائية.
* حالة وجود نص خاص
وأبرز مثال على هـﺫا ما ورد في المادة265 من ق م ج حيث للغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى تعين عضو أو عدة أعضاء من هيئتها لإجراء التحقيق في الأفعال المنسوبة لبعض كبار الموظفين، الواردين حصرا في المادة المذكورة، ويباشر التحقيق حسب الإجراءات المنصوص عليها في القسمIII من الكتاب الأول المتعلق بالتحقيق الإعدادي (المواد83.250)، والتحقيق الذي يباشر بالنسبة للأعضاء الحكومة يتعلق بالأفعال المنسوبة إليهم خارج المهام الحكومية، والتي لا علاقة لها بتسيير الشأن العام.
* الإنابة القضائية
قد يتعذر على قاضي التحقيق، القيام بنفسه بإجراء التحقيق في جزء منه، لأسباب قد ترجع إلى تكدس القضايا المحالة عليه، أو ضرورة الانتقال إلى مكان لا يدخل في اختصاصه الترابي.
وبالتالي فان لقاضي التحقيق أن ينيب جهة معينة، قد يكون قاضيا للتحقيق في منطقة أخرى، أو ضابط من ضباط الشرطة القضائية.
وتتولى الجهات الموكل لها هذا الأمر في الحدود التي رسمها قرار الإنابة وتعتبر هذه الأخيرة (الإنابة) إجراءا ضروريا في الحالة التي يعتذر فيها على القاضي تجاوز حدود اختصاصه الترابي، أو في حالة الاضطرار إلى الاستعانة بجهات أخرى لتسهيل مهمته.
والإنابة بذلك تعد إجراءا مفيدا، بشرط ألا تستعمل كذريعة للتخلص من القضايا أو التملص من مهامهم، مما يخشى معه أن ينقلب التحقيق إلى بحث تمهيدي، ويمكن توجيه الإنابة القضائية بالطرق الدبلوماسية من قضاة التحقيق إلى السلطات القضائية الأجنبية (م714 ) ق م ج
وبما أن الإنابة القضائية هي وسيلة لطلب العون، فإن قاضي التحقيق لا يفوض مبدئيا إلا بعض سلطاته وبالتالي فهي لا تكون عامة وإنما تكون خاصة تتعلق بجريمة محددة، أو إجراء معين ( م189 من ق م ج ).
وتكون الإنابة من حيث الشكل مكتوبة ومؤرخة وموقعة من طرف قاضي التحقيق، الذي أصدرها مع وضع الحكم عليها، ما عدا في حالة الاستعجال، حيث يجوز إذاعة الإنابة بجميع وسائل الإعلام.
ويحدد القاضي الأجل الذي يجب أن تسلم فيه المحاضر التي تسفر عنها الإنابة، وإذا لم يحدد أجلا فإن هذه المحاضر ترسل في ظرف8 أيام موالية ليوم نهاية العمليات المنجزة بموجب الإنابة القضائية.
والإنابة من حيث أثرها، تنقل مبدئيا سلطات قاضي التحقيق إلى الجهة المنابة، من أجل القيام بالعمل المحدد في الإنابة مع الالتزام بالمقتضيات التي فرضها القانون إلا على قاضي التحقيق.
ولا تخول الإنابة للجهة المنابة حق إصدار الأوامر القضائية، الخاصة بقاضي التحقيق ( كالأمر بالإحضار، أو الأمر بإلقاء القبض، أو كل أمر يمكن استئنافه أمام الغرفة الجنحية ).
ولا تعطي الإنابة للمناب حق تفتيش مكان المتهم خارج الساعات المسموح بها قانونا، ما لم يكن هذا المناب قاضيا، كما لا يحق استنطاق المتهم من الجهة المنابة إذا لم تكن جهة قضائية.
ولا يجوز لغير قاضي التحقيق أن يستمع للمطالب بالحق المدني، إلا بإذن من القاضي المحقق.
وإذا احتاج ضابط الشرطة القضائية الموجهة إليه الإنابة، إلى وضع شخص تحت الحراسة، فيتعين احترام شروطها، وإشعار قاضي التحقيق بذلك.
والتقييد بجميع الشروط، واحترام جميع الضمانات التي يقرها القانون في حالة الوضع تحت الحراسة النظرية (م192)
المطلب الثاني: سلطات قاضي التحقيق
السلطات التي يمارسها قاضي إن السلطات التي يمارسها قاضي التحقيق متعددة ومتنوعة كما أنها خطيرة لما يترتب عليها من آثار على مستوى الحريات الفردية، ويمكن حصر هذه السلطات فيما يلي:
- استنطاق المتهم
- الاستماع للشهود
- التنقل وتفتيش والحجز
الفقرة الأولى: استنطاقالمتهم
يعتبر المتهم هو الحلقة الأساسية في مسلسل التحقيق الإعدادي، ولهذا فأول ما يبدأ به قاضي التحقيق عادة إذا كانت هويته الضنين معروفة هو الشروع في استنطاقه استنادا إلى مقتضيات المادة134 من قانون المسطرة الجنائية، بناء على الأهداف التي يسعى التحقيقالتوصل إليها، وخاصة الوصول إلى الحقيقة التي تعتبر استنطاق المتهم من ضمن أهم الإجراءات على الإطلاق، ولكون هذا الإجراء على درجة قصوى من الأهمية، فإن الإشكال الذي يطرح بخصوص هذا الموضوع يتمثل في المفهوم الذي يعتمد عليه قاضي التحقيق في التعامل مع الضنين، هل هو مفهوم اتهامي مسايرا بذلك نهج سياسة النيابة العامة المتمثلة في تدعيم خطورة المتهم واعتباره عدوا لها يجب التصدي له، أو الاعتماد على أهم مبدأ أسست عليه المسطرة الجنائية القائمة على ترسيخ المحاكمة العادلة والقائمة أيضا على أساس أن أصل الإنسان البراءة، ومبنىقرينة البراءة أن المتهم وهو برىء بإثبات تلك البراءة وإنما على من يدعي خلاف ذلك الأصل هو البراءة أن يثبت تلك الإدانة وتلك هي أبسط قواعد الإثبات، وهذا ما سارت عليه محكمة النقض بالرباط حيث جاء في أحد قراراتها أن «الإثبات بمعناه القانوني هو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون فهو قوام الحق الذي يتجرد من قوته ما لم يقم الدليل عليه»( ) ويقع عبء الإثبات الجنائي دائما على عاتق الاتهام وليس على المتهم أن يثبت براءته وبالتالي لا يمكن أن يتخذ من مجرد سكوت المتهم دليل ضده ولا يجبر على أن يدلي بما لا يريد قوله، فالبراءة المفترضة في المتهم تقتضي معاملة صاحبها بوصفه حر بريئا ولا يتفق البتة مع افتراض تلك البراءة تكليف المتهم عبء إثبات براءته وعلى من يدعى خلاف ذلك إثبات أنه غير بريء وأن الإدانة تتوافر في حقه.
وتجدر الإشارة إلى أن شكليات مسطرة الاستنطاق ليست على صنف واحد، بل إنها تختلف حسب ما إذا كان استنطاق المتهم يتم في إطار الاستنطاق الابتدائي أو الأولي أو ما يعرف باستنطاق المقابلة الأولى، أو حسب ما إذا كان هذا الاستنطاق يتم في إطار شكليات ومسطرة الاستنطاقات اللاحقة للاستنطاق الأولي والابتدائي وهي ما يعرف بمسطرة الاستنطاق التفصيلي.
بحيث يتميز الاستنطاق الأولي عن باقي الاستنطاقات التي يخضع لها المتهم لاحقا من طرف قاضي التحقيق في كونه أنه في إطار التحقيق الابتدائي يمثل المتهم، وذلك لأول مرة أمام قاضي التحقيق وذلك بصفته متهما عن الأفعال المرتكبة والتي بسببها تم فتح التحقيق الإعدادي بشأنها ونظرا للحس المرهف للمشرع في تقدير الوضعية النفسية للمتهم وهو لأول مرة يتمثل أمام القضاء وما يصيبه من ذعر وخوف قد يجعله يتلفظ بأشياء قد يحاسب من أجلها فيما بعد، فلذلك واستنادا لمقتضيات المادة134 ق م ج فقد عمد المشرع على تحديد موضوع هذا الاستنطاق بشكل محكم. معتمدا بذلك على النهج السياسي أكثر ما هو مكسب حقوقي لصالح العدالة الجنائية، فالتأكد من هوية المتهم ومن تم إشعاره بحقه في الدفاع، وبعد ذلك إشعاره بالتهم المنسوبة إليه مع حقه في التزام الصمت، حقا صياغة قانونية بعيدة من كل تدليس أو غبن، إلا أنه ما معنى قيام قاضي التحقيق باستدعاء المتهم والشروع في استنطاقه ابتدائـيا كما نصـت المادة134 ق م ج، ومن ضمن بنود هذه المادة حق الضنين في مؤازرة الدفاع فهل يعتقد المشرع بأن مقر المحاسب داخل المحكمة، فما على المتهم إلا ليصرح بإيجابه وحتى ولو صرح بذلك فما معنى حضور الدفاع بعد انتهاء المرحلة الأولى من التحقيق التي قد تكون هي الحاسمة في بناء قناعة القاضي، هل لأخذ أتعاب التعين أو التمتع بوجه المتهم.
بحيث لو كان المشرع رتب البطلان على كل مخالفة هذا الفصل أي الفصل134، وكذا كل الإجراءات اللاحقة له فإنالواقع العملي المرير بين على حقيقة لا خلاف فيها وتتمثل في موقع الضعف الذي يكون فيه المتهم في إثبات هذه الخروقات، فلا يعتد قانونا بمجرد القول بعدم تمتيع المتهم بأحد الضمانات التي خولها لها الفصل134 ق م ج.
ولهذا أقر الفقه يخلو هذا الفصل من أي ضمانة قانونيةعلى أرض الواقع، وقد ساير هذا الاتجاه المجلس الأعلى بحيث لم يرتب البطلان على أي إجراء مخل بإحدى الضمانات المقررة للمتهم متناقدا في ذلك مع المحاكم الوطنية التي ترتب البطلان على كل خرق أو تجاهل لبند من بنود المادة
الفقرة الثانية : الاستماع الى الشهود
الشهادة وسيلة إثبات هامة وخطيرة في آن واحد، هامة لأنها أكثر وسائل الإثبات استعمالا في الميدان الجنائي وفي مختلف المراحل، وخطيرة لأنها تتطلب كثيرا من الحذر من طرف القاضي الذي يقدرها، لأن الشاهد كثيرا ما يكون متحيزا أو قد تخونه ذاكرته.
وعلى الرغم من الاحتياطات التي تتخذ من طرف القانون، فإن الشهادة يمكن أن تكون غير صادقة ومتأثرة بالتهديد أو الوعيد. وإذا كانت الشهادة لا تختلف من حيث طبيعتها فإن أحكامها ليست واحدة تبعا لما إذا كانت ستؤدى أمام قضاء التحقيق أو أمام النيابة العامة خاصة أن المشرع وزع أحكام الشهادة في أماكن مختلفة من المسطرة الجنائية، فإذا كانت هذه هي المميزات الأدبية والمنطقية والأخلاقية لمفهوم الشهادة والشاهد فإن الواقع العملي أبان عكس مفهومه، بحيث اعتبره وسيلة من وسائل التحايل على القانون بمفهومه الحق، ونقول هذا ونحن من بين المنادين بالتضييق في مجال الشهادة ومجالها في الدعوة العمومية واعتبارها وسيلة للاستئناس طالما أن المواطن أصبحت تنعدم فيه المصداقية وأصبحت عمليا وسيلة لمعاناة القضاة وأداة لتضليلهم، كما أن الواقع المرير للقضاء المغربي أفرز ظاهرة الشهادة بالأداء أو بالمقابل وهي على أية حال ظاهرة يعرفها كل الممارسين في حقل العدالة المغربية.
وتطبيقا لمقتضيات المادة117 م ج والتي أرست الإطار العام الذي بموجبه تم تنظيم الشهادة والشهود، بحيث نصت على أنه يمكن لقاضي التحقيق استدعاء أي شخص يرى فائدة لسماع شهادته.
إلا أن الإشكال الذي يطرح، ما هي الصفة التي يتعامل بها قاضي التحقيق مع هذا الشخص أي الشاهد هل هو دعامة من أجل إظهار براءة المتهم أم أنه يتعامل معه نصفة مسطرية إما استنادا لما ضمن في ملتمس إجراء التحقيق أو قناعته الشخصية.
ويعتبر هذا المجال من ضمن المبادئ العامة التي يمكن اعتبارها بمثابة مبدأ عام يحتكم إليه قاضي التحقيق وذلك في نطاق الاستماع للشهود من أجل تدعيم براءة المتهم وتمتيعه بحقه في انتزاع صفة الضنين.
فعلى الرغم من أن الشاهد لا يتمتع بأية ضمانات أمام قاضي التحقيق وذلك على غرار المتهم، إلا أنه إذا كانت هناك شكوك تحوم حوله أو أدلة قد تصنع منه متهم، فقد أقر الفقه مبدأ عام في هذه الحالة ينص على تمتيع الشاهد بجميع الضمانات التي جاءت بها مسطرة الاستنطاق الأولي التي تنص على ضرورة تمتع المتهم بكل الضمانات المنصوص عليها في الفصل134 ق م ج.
وبالنظر إلى مسطرة استدعاء الشهود نجد المشرع بالإضافة إلى توجيه الاستدعاء إلى الشاهدة من أجل المثول أمامه للإدلاء بشهادته، وقد أجاز في المقابل في حالة عدم استطاعة هذا الشاهد للمثول أمامه بسبب من الأسباب أن يعين من ينوب عليه للقيام بعملية أو مهمة الاستماع له، فقد تكون هذه الإنابة موجهة لضباط الشرطة القضائية بحيث يمكن لهم أن يسمعوا لشهادة الشاهد ومحتواها وتأويلها وإنجاز محضر بذلك قد يكون هو الضريبة القاضية أو النقطة التي تفيض كأس الاتهام على الرغم من الانتقادات الموجهة لهذه الهيئة من عدم خبرة أو كفاية قانونية لإسناد إليها هذا الأمر الذي يتحكم ويحدد مصير حرية الإنسان.
فإذا كان المشرع قد أجاز لقاضي التحقيق استدعاء من الشهود ما شاء من أجل فك لغز أو ألغاز قضية موضوع التحقيق استنادا إلى الفصل117 ق م ج، فإنه في المقابل أورد استثناء على هذه القاعدة والمتمثلة في مسطرة استدعاء أعضاء الحكومة وذلك للإدلاء بأفواههم وشهادتهم أمام قاضي التحقيق. فهي تخضع لقواعد خاصة استثنائية عبر تلك المعمول بها في الأحوال العادية وذلك تطبيقا للمادة133 م ج.
وهكذا يمكن القول على أنه يمنع على قاضي التحقيق وذلك تحت طائلة إثارة مسؤوليته القانونية والتي يمكن أن تترتب عن ذلك استدعاء كل الأشخاص المشمولين بسر المهنة –كالمحامين مثلا- والذين قد يكونوا عملوا بصفتهم هذه بوقائع أو معطيات قد تفيد التحقيق.
وإذا كانت الشهادة تؤدى شفاهيا فهل يكون ذلك عن طريق السؤال والجواب أو عن طريق تمكين الشاهد من الإدلاء بما يريد ودون تدخل أو مقاطعة؟ نظرا للانتقادات الموجهة لهذا الموضوع بحيث قد عبر فيها بعض الفقهاء بوصفها سيف ذو حدين، إما أن تكون أداة أو وسيلة لإظهار الحقيقة في تدعيم براءة المتهم أو أن تكون أداة لتضليل العدالة لما يخدم أطراف الدعوة، والتطبيق العملي يسير نحو الجمع بين الطريقتين بحيث يعمد القاضي إلى طلب من الشاهد أن يدلي بما عنده من معلومات ثم بعد ذلك يستفهم من نقطة أو أخرى. وعلى كل فالشهادة لا تنصب إلا على الوقائع التي رآها الشاهد أو سمعها بحيث لا يطلب منه وجهة نظره فيها، كما يجب أن لا يوحي إليه بأي شيء في الموضوع كإستجراره إلى جهة أو نقطة معينة.
فالشهادة أمام قاضي التحقيق لا تكون محلا للمناقشة وإنما يدعى الشاهد لإعادة قراءتها والتوقيع عليها إذا كان لازال مصرا عليها، وهذا يعتبر حيف وخرق لحقوق المتهم خصوصا إذا كانت هذه الشهادات هي مصدر إدانته بالأفعال المنسوب إليه، فقاضي التحقيق بصفته القائم على إظهار الحقيقة كان متوجب عليهإعادة استنطاق هؤلاء الشهود للوقوع على كل تناقض قد يقع فيه هذا الشاهد ما بين ما أدلى به في الشهادة الأولى أمام الضابطة القضائية والثانية أمام قاضي التحقيق، فاكتفاء القاضي بجرد ما قيل في المرحلة الأولى يعتبر شيء غير منطقي بالمرة، فقاضي التحقيق بصفته هذه يعتبر أحد الركائز الموجهة لإظهار الحقيقة وترسيخ العدالة الجنائية وتدعيم قرينة البراءة كأصل في المتهم دون التقيد بما جاء في ملتمس النيابة العامة وما توصلت إليه وإلا أصبحت مهامه إلا تحصيل حاصل.
الفقرة الثالثة: التنقل والتفتيش والحجز
لا ينحصر مجال عمل قاضي التحقيق في مكتبه ولا يقتصر دوره على التحقيق فيما تنقله محاضر الضابطة القضائية، بل إن ميدانه أوسع من مكتبه ومهمته أعظم من التحقيق الابتدائي مما يدعوه أحيانا إلى الانتقال إلى الميدان لإجراء معاينات مادية أو للقيام بعمليات التفتيش أو الحجز التي يراها مفيدة لإظهار الحقيقة( ) وقد خص المشرع المغربي في القانون الجديد لموضوع التنقل والتفتيش والحجز في المواد من90 إلى107 من الباب الرابع المشار إليه في القسم الثالث المتعلق بالتحقيق الإعدادي من الكتاب الأول تحت عنوان “التحري عن الجرائم ومعاينتها”.
أ- التنقل:
إذا كانت هذه الميزة قد كان معترف بها للنيابة العامة كأحد إجراءات التحقيق التمهيدي، فإنه بالمقابل قد تم الاعتراف بها لقاضي المحقق ليقف بنفسه على معلومات يصعب بل يمكن أحيانا أن تصل إليه من سبيل آخر ولهذا فهي وسيلة يتمكن بواسطتها قاضي التحقيق من الإدراك المباشر للجريمة ومرتكبها.
إن مهمة قاضي التحقيق كمحقق لإظهار الحقيقة بكل حرية لاعتباره قاصا من القضاة الجالسين تفترض عليه أحيانا الانتقال إلى الميدان لإجراء معاقبات مادية لم تجرها الضابطة القضائية أو لتكميل معاينة قامت بها الشرطة القضائية وذلك لتأكد مما ضمته هذه الأخيرة من حيثيات. وعندما ينقل إلى عين المكان فإنه يكون ملزما دائما بأن يصحب معه كاتب الضبط الذي يسهر على تحرير محضر على كل العمليات التي تم إنجازها من تفتيش وحجز إلى غير ذلك، فإذا كان هذا موقف يعظم عليه المشرع، فإن هذا ليس على سبيل الإطلاق بحيث عمد في المقابل بتقيد مهمة قاضي التحقيق عن طريق لزوم وإجبارية استشارة النيابة العامة بذلك، وهذا ما يبرر الوضعية المزرية لقاضي التحقيق في تبعيته لسلطة النيابة العامة التي تعتبر اليد اليمنا للسلطة التنفيذية.
ب- التفتيش:
هو وسيلة الإثبات أدلة وعادية ويقصد به البحث مادي يفيد في مكان ما سواء كان مسكونا أو غير مسكونا وذلك لتبديد كل الشكوك التي توصل إليها في إطار الاستنطاق الابتدائي وما ضمن في ملتمس إجراء التحقيق من طرف النيابة العامة، وقد نصت المسطرة على هذا الإجراء في الفصل101 من ق م ج.
ونظرا لخطورة هذا الإجراء ولحساسيته المفرطة بحيث تعتبر أحد مظاهر انتهاك حرية الضنين بحيث بمجرد الأمر بالتفتيش يعتير حيف بالنسبة للمتهم وإهانة له، بل والاعتراف له بصفة المتهم قبل صدور حكم بذلك وهذا إهدار لقرينة البراءة التي تضمن للمتهم كرامته وقيمته الاجتماعية خصوصا داخل مجتمع جمعوي كالمجتمع المغربي الذي يؤمن بما يقال أكثر مما يرى.
ونظرا لخطورة هذا الإجراء فقد عمل المشرع إحاطته بضمانات هامة تكرس لمفهوم قرينة البراءة، فاستنادا إلى الفصل101 م ج «يجري التفتيش في جميع الأماكن التي قد يعثر فيها على أشياء يكون اكتشافها مفيدا لإظهار الحقيقة ويجب في هذه الحالة على قاضي التحقيق تحت طائلة البطلان أن يتقيد بمقتضيات المواد59 و60 و62.
وهكذا فإذا كان المشرع قد اعترف لقاضي التحقيق بالحقيقة بالتفتيش فإن ذلك لن يكون إلا بشروط أساسية لضمان كرامة وحرمة المسكن والمتهم وتتمثل هذه الشروط في:
الشرط الأول: أن يتعلق الأمر بجنية.
الشرط الثاني: ويهم من يقع التفتيش في منزله، ويجب أن يكون هو المتهم نفسه، فإذا كان رب المنزل شخص آخر أوجب تفتيشه كمبدأ عام داخل ساعات القانونية لإخراجها، وعلى خلاف هذا الحكم فإن الفصل4 من القانون العدل العسكري يسمح بتفتيش أي منزل خارج الوقت القانوني حتى ولو كان منزلا غير منزل المتهم.
الشرط الثالث: ينفي أن يقوم بالتفتيش قاضي التحقيق شخصيا ولابد أن يكون برفقة كذلك النيابة العامة.
وعلاوة على ذلك ينفي على قاضي التحقيق أن يتخذ الإجراءات اللازمة للمحافظة على السر المهني إذا كان التفتيش واقعا بمنزلشخص ملزم.
وفي الجريمة المعلوماتية نتحدث عن تفتيش نظم المعالجة الاليةوهو يشتمل على جميع العناصر غير المادية اللازمة لتشغيل الكيان المادي كالبرامج ونظم التشغيل وقواعد البيانات … الخ، لقد ثار الخلاف في التشريع المقارن في مسألة ضبط وتفتيش المكونات المعنوية أو المنطقية للحاسوب، فتعددت الآراء في هذا الشأن؛ فذهب رأي إلى أنه إذا كانت الغاية من التفتيش هي ضبط الأدلة المادية التي تفيد في الكشف عن الحقيقة، فإن هذا المفهوم يجب أن يمتد ليشمل البيانات الالكترونية، كالقانون الإجرائي اليوناني في نص المادة251 التي تعطي لسلطات التحقيق إمكانية القيام بأي شيء يكون ضروريا لجمع وحماية الدليل، تفسيرا لعبارة أي شيء بأنها تشمل ضبط البيانات المخزنة أو المعالجة آليا أو الكترونيا، بما فيها ضبط البيانات المخزنة في حاملات البيانات المادية، أو في الذاكرة الداخلية وذلك بإعطاء المحقق أمرا للخبير بجمع البيانات التي يمكن أن تكون مقبولة كدليل للمحاكمة الجنائية، على أساس إنها كيانات يمكن قياسها بما انها نبضات أو ذبذبات الكترونية قابلة لان تسجل وتخزن على وسائط معينة يمكن قياسه.
ج- الحجز
الغاية من التفتيش حجز شيء يتعلق بالجريمة ويفيد في التحقيق الجاري بشأنها، سواء أكان هذا الشيء أدوات أستعملت في إرتكاب الجريمة أو شيئا نتج عنها او غير ذلك مما يفيد في كشف الحقيقة.
ونظرا لكون الحجز محله في مجال الجرائم المعلوماتية، البيانات المعالجة إلكترونيا، فقد ثار التساؤل : هل يصلح هذا النوع من البيانات لأن يكون محلا للحجز، الذي يعني وضع اليد على شيء مادي ملموس ؟
إنقسم الفقه الكندي إلى اتجاهين عند الاجابة عن هذا التساؤل: فيرى البعض ان بيانات الحاسب لا تصلح لأن تكون محلا للضبط، لإنتفاء الكيان المادي عنها، ولا سبيل لضبطها إلا بعد نقلها على كيان مادي ملموس، عن طريق التصوير الفوتوغرافي، أو بنقلها على دعامة أو غيرها من الوسائل المادية. ويستند هذا الراي إلى ان النصوص التشريعية المتعلقة بالضبط محل تطبيقها الاشياء المادية الملموسة.
ويرى الإتجاه الثاني أن البيانات المعالجة إلكترونيا ان هي إلا ذبذبات إلكترونية، أو موجات كهرومغناطيسية، تقبل التسجيل والحفظ والتخزين على وسائط مادية، وبالإمكان نقلها وبثها وإستقبالها وإعادة إنتاجها، فوجودها المادي لا يمكن إنكاره. ويستند هذا الإتجاه إلى بعض النصوص التشريعية، كالمادة29/7 من قانون الإثبات في كندا التي تنص على أن تفتيش وضبط الدفاتر والسجلات الخاصة بمؤسسة مالية، يقتصر على تفتيش المكان بغرض تفقده واخذ نسخة من المواد المكتوبة، يستوي في ذلك ان تكون السجلات مكتوبة ام في شكل إلكتروني.
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية
برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
www.us-osr.org
