
التعلم من الخبرات
نشوء الطفل في مجتمع أخلاقي هو الخطوة الأولى لاكتساب الحكمة العملية التي تتطور مع خبراتنا كلما تقدم بنا العمر ومررنا بمراحل المدرسة والجامعة ثم دخول ميدان العمل. لقد بيّن لنا العلم كيف يمكن للخبرة أن تخلق شبكة من المعارف التي تمدَنا بالأنماط والتصنيفات والانفعالات والرؤى التي نحتاجها لاكتساب المهارة الأخلاقية. الخبرة الصحيحة تشمل طيفًا من المعارف المتنوعة، مع تبني مبدأ المحاولة والخطأ والتعلم من الأخطاء. قد تضمن الخبرة وتكرار نفس السلوك تكوُّين شبكة من المعارف، غير أنها لا تضمن اكتساب الحكمة، لأن الخبرة غير المناسبة تفشل في استثمار قدراتنا الفطرية التي ولدنا بها.
فهل يمكن للمؤسسات والنظم الاجتماعية التي نعيش في ظلها أن تمدنا بالخبرة الصحيحة لبناء مهارات أخلاقية عملية؟ وهل ستمنحنا فرصة ارتكاب الخطأ ثم الاستفادة منه؟ الجهود التي نبذلها لضبط مسارنا من خلال القوانين واللوائح تزيد الأمر سوءًا، وبدلاً من تنمية الحكمة العملية، تشن حربًا ضدها.
الحكمة حاكمة
ثمة قصص كثيرة تذكرنا بأهمية القواعد والمبادئ التي قد تكون ضارة في ظل غياب الحكمة العملية. نريد من القضاة الذين ينفذّون التعليمات حسب القوانين والإجراءات أن يفعّلوا روح القانون وأن يصدروا أحكامًا تأخذ في الاعتبار ضرورة تحقيق الخير. نريد من واضعي السياسات والأطباء أن يتحلون بالمبادئ القويمة، لأن هذه المبادئ تضعنا وإياهم على الطريق السليم للقيام بالفعل الصحيح وتذكرنا بمسؤولياتنا والغاية من وراء أعمالنا. نريد مبادئ تجعلنا نحترم حقوق الإنسان، وتحقق الاستقرار السياسي والأمن الوطني، ونحترم رغبات المرضى، مما يجعلنا أكثر قدرةً على اتخاذ القرار السليم عندما نختار بين البدائل المطروحة. لا يمكن تطبيق القواعد واللوائح إذا ما خلت من الروح، وبما أنها كثيرًا ما تتصارع، فلا بد من إحداث توازن فعلي بينها. إذا قامت القواعد الصارمة والمبادئ القائمة بتهميش دور الحكمة العملية التي نحتاجها للوصول إلى حالة التوازن، فلن نستطيع اتخاذ القرارات الصائبة.
ينابيع الأمل
مهما أوغلت القواعد في التفاصيل، ومهما حملت من نوايا طيبة، فهي في نهاية المطاف لن تصل إلى أغوار الحكمة المطلوبة. الحوافز أيضًا لا تصل بنا إلى الحكمة المبتغاة. فهل هناك ما يمكن عمله؟ وهل من سبب يدعو للتفاؤل؟ هناك الكثيرون ممن غيروا القواعد والقوانين بعد أن تأكدوا أن الحكمة تتطلب شجاعة في ممارستها، فاستغلوا التدريب والتطبيق لتصبح الحكمة العملية فعلاً تلقائيًا وطبيعيًا، لا فعلا قهريًا وإجباريًا.دوافعنا لتنمية الحكمة العملية قوية. وكما يرى ”أرسطو“، فإن الحكمة قد تكون مفتاح السعادة. غرس الحكمة في داخلنا يمكننا من الحفاظ على علاقات وطيدة ومشبعة مع الآخرين، وممارسة أعمالنا بطريقة أفضل. فالذين يتبعون أساليب الحكمة لا يخلقون السعادة للآخرين وحسب، بل لأنفسهم أيضًا.
الحكمة والسعادة
عمل الخير وتفعيل الحكمة العملية يتم بحمايتها من الضغوط والقواعد والأنظمة والحوافز التي تهددنا دائما بضرورة وسرعة الانتهاء منها. لذا علينا توفير الظروف المواتية التي تساعد على ظهور الحكمة العملية في كافة مناحي حياتنا، خصوصًا تلك التي تتأثر بضغوط الوقت، مثل: المدارس والمستشفيات
والهيئات القانونية والمصارف والمؤسسات المالية، وفي المجالات الأمنية والعسكرية أيضًا. أيًا كان دورك أو موقعك في المجتمع الذي تعيش فيه (سواء أكان مجتمعًا محليًا أم عالميًا)، فما تمارسه من أعمال لا يكون فقط من أجل مصلحتك الخاصة، وإنما من أجل خدمة الآخرين أيضًا، ولن ننجح في تحقيق هذا إذا بقيت الحكمة العملية تنقصنا. الحكمة العملية تستحق أن نضحي من أجلها، وعلينا عدم الاستسلام للوائح والحوافز التي تفصلنا عنها وتهدد بقاءها، وعلينا – كذلك – إعادة تشكيل المراكز والمعاهد الرائدة التي يُناط بها قيادة المجتمع والقيام بدور الأسوة والقدوة. الحكمة ليست موهبة مُنحت لحفنة من الأشخاص، بل هي مهارة نمتلكها جميعًا ونحتاجها. وقد كان ”أرسطو“ محقًا عندما قال: ”كي تحصل على السعادة، اطلب الحكمة العملية، فعندما نعرف كيف نفعل كل شيء بشكل صحيح، نصبح سعداء، فنعمل الصواب في حق أنفسنا والآخرين.“
نقلا عن www.edara.com
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي