جريدة عالم التنمية

الجزء الأول من تلخيص كتاب "الحكمة العملية "تأليف: باري شوارتز وكينيث شارب


الحكمة من وجود الحكمة صار الناس في كل المجتمعات بحاجة ماسة إلى كسر القيود التي تربطهم بالمؤسسات التي تقوم
عليها حياتهم، فنحن لا نثق بالمؤسسات الفاشلة التي تخيب آمالنا ولا توفر لنا ما نريد. وهناك أمثلة كثيرةعلى خيبات الأمل وذاك الفشل: فالمدارس لا تخدم أبناءنا كما نتوقع، والأطباء المشغولون لا يمنحوننا الاهتمام والعناية اللازمة، والمصارف تسيء إدارة أموالنا وأصولنا، ووكلاء الاستثمار يفشلون في تقديرحجم المخاطر التي نتعرض لها، كما النظام القانوني الذي ينظم علاقاتنا وحياتنا، يهتم بالإجراءات أكثر من العدالة.
ينطبق هذا أيضًا علينا وعلى الشركات التي نعمل فيها، فلايهمنا سوى تحقيق الأهداف المكتوبة والنتائج المطلوبة،والالتزام الحرفي بالمهمات الموكلة إلينا؛ فينتهي بنا الأمر دائمًا إلى نوع من الشعور بالصراع والضياع، ولهذا كثيرًا ما نسأل أنفسنا: ما الذي جعلني أقبل هذه الوظيفة وأمتهن هذه المهنة أساسًا؟ ولو اقتصرت خيبة الأمل على المرضى والعملاء والطلاب، فسيكون من السهل إلقاء اللوم على الأطباء ورجال القانون والمعلمين الذين لا يهتمون وتعوزهم الخبرة. لكن الأمر أكبر من ذلك؛ فمعظم الأطباء يرغبون حقًا في علاج المرضى كما يجب، لكنهم يشعرون بالعجز عن مواجهة التحدي والموازنة بين حاجات المريض من ناحية، وبين متطلبات شركات التأمين الصحي من ناحية أخرى، فضلاً عن مواصلة التعلم والاطلاع على تطورات الطب واكتشافاته الجديدة. والمعلمون أيضًا يحرصون على تعليم طلابهم بأمانة وإخلاص، لكنهم يعجزون أيضًا عن الموازنة بين ضرورة إنهاء المناهج التعليمية المتشعبة، وبين تحقيق المعايير والقدرة على المنافسة، وتوفير حياة كريمة لهم ولأسرهم. فمن الواضح، أن نتائج الأداء الإنساني لم ترض أحدًا؛ لا مقدمي الخدمات، ولا متلقيها.
فكيف يمكننا حل هذه المعضلة؟
بشكل عام، نحن نلجأ إلى أحد الحلين التاليين، أو إلى
الإثنين معًا:
-1 وضع لوائح وقوانين تُملي على الناس ماذا يفعلون، وتراقب العمل للتأكد من أنها تنفَذ بحذافيرها.
-2 تقديم حوافز وجوائز ورواتب لتشجيع الناس على إتقان أعمالهم، ومكافأتهم عندما ينفذون وينجزون.
الحل الأول يعني أنه حتى لو عمل كل الناس ما يريدون بشكل صحيح، فهم يبقون بحاجة لمن يقول لهم ماذا عليهم أن يفعلوا. أما الحل الثاني، فيعني أن الناس لا يعملون إلا بمقابل، وأنهم يعتبرون الجوائز أكبر الحوافز. وعندما نضع الحلين معًا، فإننا نحصل على ما نسميه عادة: سياسة ”العصا والجزرة!“ ولكن ماذا بعد؟
لا شك أن اللوائح والحوافز أمران مهمّان لتحسين أداء المؤسسات الخدمية التي تسهر على راحة المجتمع. لكن عندما نحاول رفع مستوى وجودة الرعاية الطبية، وتقليل تكاليف العلاج في الوقت نفسه، فمن الجنون أن نكافئ الأطباء لأنهم أجروا المزيد من العمليات الجراحية. وعندما نقرر أن نمنع المصارف من اقتراف أخطاء جسيمة والمخاطربأموال المودعين، فمن الجنون أن نعطي انطباعًا بأن الحكومة ستهب للمساعدة والتغطية إذا ارتكبت هذه المصارف كوارث مالية، مهما كانت الأسباب. القوانين والحوافز وحدها لا تكفي؛ فهذان الحلان ينقصهما شيء أساسي. وهذا هو ما نتحدث عنه هنا. وهو ما يسميه أرسطو: ”الحكمة العملية“. بدون هذه الحكمة، فإن اللوائح (مهما كانت مفصلة ومدروسة) والحوافز (مهما بدا أنها ذكية) لن تكفي لتأطير حلول جذرية لمشكلات حياتنا اليومية.
الحكمة العملية قد يكون لمصطلح ”الحكمة العملية“ وقع غيرمقبول على الأذن المعاصرة، لأنه يبدو وكأنه يجمع النقيضين: فقد تعودنا على أن ”الحكمة“ تناقض ”الفكرالعملي“؛ لأنها مفهوم مجرد أو نظري أو (مثالي)يصعب تطبيقه. فقد كنا نظن أن الحكمة هي حكرعلى الفلاسفة والمنظرين والعلماء والمفكرين.كان ”أفلاطون“ يرى أن الحكمة هي تجريد نظري وهبة يمنحها لله لبعض بني البشر. إلا أن تلميذه”أرسطو“ خالفه الرأي في هذا. كان ”أرسطو“ يرى أن الحياة تضعنا أمام مجموعة من الخيارات (مثلاً: متى أكون مخلصًا لصديق؟ وكيف أكون لطيفًا ومحبوبًا؟ وكيف أواجه المخاطر؟ ومتى وكيف أغضب؟)، وأن اختيار الصواب يحتاج إلى الحكمة.
لنأخذ الغضب مثلاً، فالسؤال المحوري عند ”أرسطو“لم يكن ”هل الغضب حسن أم سيئ، خير أم شر؟“ ولم يكن ”ما هي طبيعة الخير في الحقيقة؟“ بل كان ”ماذا يمكن أن أفعل في ظل ظروف معينة: ممن أغضب؟ولماذا أغضب؟ ولكم من الوقت أغضب؟ وكيف أتصرف وأنا غاضب؟ الحكمة التي تجيب عن هذه الأسئلة وتجعل المرءيفعل الصواب هي تفكير وتدبير عملي، لا مجرد
خيال نظري. هذه الحكمة تنطلق من قدرتنا على تقييم الأوضاع الراهنة ورؤية الواقع، ومن ثم العمل على تحقيق الصواب في ظل هذه الأوضاع والظروف بحسب مشاعرنا أو رغباتنا. لقد أوضح ”أرسطو“ أفكاره عن ”الحكمة العملية“ في كتابه عن ”علم الأخلاق“؛حيث أكد أن الأخلاق ليست استحداثًا لقواعد ثم اتباعها وتطبيقها، بل هي إنجاز عملي واجتماعي إيجابي بصرف النظر عن موقعك – أي سواء كنت صديقًا أو والدًا أو طبيبًا أو جنديًا أو مزارعًا، أوعاملاً أوحاكمًا. هذا الإنجاز العملي يتضمن تصوُّر الأسلوب الصحيح، للقيام بالعمل الصحيح، في ظل ظروف ومعطيات محددة، مع شخص محدد، وفي وقت معين.
الجمع بين الإرادة والمهارة
تمزج الحكمة العملية بين الإرادة والمهارة؛ فالمهارة بلا إرادة هي مهارة تنقصها النية والرغبة الصادقة في إنجاز أهداف ورؤى واستراتيجيات العمل. وقد تؤدي إلى الاحتكار والاستغلال غير الإنساني للآخرين، فتدفع بالمرء نحو خدمة مصالحه الذاتية أولا دون مراعاة مصالح الآخرين. أما الإرادة دون مهارة فتؤدي إلى الارتباك واللامبالاة، مثلما نراه في
كثير من المديرين والقياديين الذين يقطعون الوعود المعسولة ويتركون الأوضاع تسوء وتتدهور إلى غير رجعة.
كيف نكون حكماء عمليين ؟
يجب الاعتراف بأنه ليست هناك وصفة أو توليفةمن المبادئ والقواعد التي تضمن ذلك! فالمهارات تُكتسب بالخبرة، تمامًا مثلما ينتج التزامنا بتحقيق الأهداف الناجمة عن الممارسة. فكلما مارسنا وانهمكنا في أعمالنا أكثر، كلما زاد التصاقنا بها. ولذلك نقرن الحكمة بالخبرة، ولكن ليس أية خبرة! بعض الخبرات تعلِّم الحكمة حقًا، في حين يتكلس بعضها الآخر ويصدأ ولا ينفعنا في شيء. وهنا يوجه ”أرسطو“ انتباهنا إلى مسألة غاية في الأهمية فيقول: ”يجب صقل الشخصية والحكمة العملية وصهرهما معا في بوتقة المؤسسات التي نمارس حكمتنا وعملنا من خلالها.“لم يكتب ”أرسطو“ كتابه عن الأخلاق والحكمة ليؤكد فقط أهمية ”الحكمة العملية“ من أجل حياة ومجتمع أفضل، بل ولتشجيع الشعب وحكّام ”أثينا“ على بناء المراكز والمعاهد وتفعيل القواعد التي تحفز الناس ليكونوا حكماء وعمليين. ففي ظل ما يعانيه عصرنا من ”عجز وقصور في الحكمة“ – أي نقص في موارد الحكمة التي نحتاجها للنجاح في الحياة والعمل – سنجد بذلك ما يدفعنا إلى اختبار ما إذا كانت مؤسساتنا تثبط وتحبط كل من يحاول ممارسة الأعمال بحكمة؛ وإذا كان ذلك كذلك، فما الذي يمكننا فعله لتصحيح الأمور وتعويض القصور!
الحوافز وحدها لا تكفي
العمل من أجل الحصول على الحوافز والمكافآت،ليس كالعمل من أجل تحقيق الأهداف. أهداف الطبيب هي اقتراح طريقة العلاج المُثلى ومعرفة كيفية تطبيقها حسبما تقتضي ظروف الحالة وتاريخها الصحي. إذا تم تحفيز الأطباء (من خلال منحهم حوافز مقابل كل كشف طبي وخدمة صحية يقدمونها)بغض النظر عن جودة العمل الذي يقومون به، فقد ينتهي بهم الأمر إلى إنجاز الكثير من الأعمال الضارة وغير الفعالة. والأسوأ أنهم سيتخذون قراراتهم وعيونهم على المكافآت والحوافز. فهناك أطباء يطلبون التحاليل ويجرون العمليات ويصرفون الوصفات لتحقيق المزيد من الإيرادات. نريد أطباء يتحلون بالإرادة والمهارة لينجزوا العمل الصحيح فقط لأنه هو الصحيح، وليس لتأثيره على الحوافز والمكافآت. يمكن تحقيق هذا الهدف فقط إذا ركّزالطبيب على الهدف الصحيح وعرف كيف يحققه.
الحوافز – حتى أكثرها ذكاءً – تقدم القليل للوصول إلى الحل الأمثل، وغالبًا ما تجعل الهدف المرجو بعيد المنال. في المصارف والمؤسسات المالية أيضا،نريد أن يفعلوا الخبراء الماليون الصواب فقط لأنه الصواب، ولأنه يخدم مصالح المودعين الذين وثقوابالمصارف، ومصالح المقترضين الذين وثقوا بأن شروط القروض آمنة ومقبولة. ثقتنا بالبنوك تنبع من ثقتنا بأصحابها والعاملين فيها. فعندما ندرك أن دور المصارف هو تحقيق الأرباح لحملة أسهمها،بالتوازي مع خدمة مصالح عملائها، فلن نستطيع اتهامها بالجشع ووصف إداراتها بالطمع، لأن الربح والمصلحة هو هدف الجميع، بشرط أن يتم بحكمة واقعية، لا بأساليب شيطانية.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات