
دليل الأعمال لجعل الصلاح طريقًا للفلاح
البقاء للشركات الأصلح
لقد ضقنا ذرعًا بالشركات الفاسدة، وسئمنا من جشعها، ومرضنا بسبب التلوث الذي تحدثه في بيئتنا. كرهنا أرباب العمل البخلاء، والشركات غير المسؤولة عن أفعالها، ومبدأ “المسؤولية المجتمعية للمؤسسات” الذي أصبح مجرد فكرة تسويقية وترويجية أكثر منه مسؤولية حقيقية تجاه المجتمع.
مع ذلك، لم ييأس المجتمع بعد من المؤسسات الرأسمالية؛ فنحن ما زلنا نعتمد على الشركات المختلفة لتوفير احتياجاتنا الأساسية من مأكل وملبس ومأوى، بالإضافة إلى وسائل الراحة الحديثة، مثل: الكمبيوتر والطائرات ووسائل الاتصالات اللاسلكية.
لقد أصبحنا – كمجتمع – أكثر وعيًا على المستوى الجمعي، وأصبحت لدينا القدرة على وضع معايير أعلى وأفضل للشركات ولقطاعات الأعمال المختلفة، وتصعيب الأمور عليها كي لا يصبح بوسعها تحقيق أرباحها من السلب والنهب بالسهولة التي اعتادتها في السابق.
كما دفعت العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الشركات في الوقت الحالي إلى التعامل بشكل أفضل مع موظفيها وعملائها ومجتمعاتها. بالإضافة إلى هذا فإن المواطنين أنفسهم أصبحوا يطالبون الشركات الموجودة في مجتمعهم بأن تكون “شركات صالحة.”
عصر الجدارة
يختار المواطنون الشركات التي يتعاملون معها على مدار حياتهم بنفس الطريقة التي يختارون بها الضيوف الذين يدعونهم إلى منازلهم. وهم قادرون على تقييم هذه الشركات وتصنيفها: فالمستهلكون يبحثون عن الشركات التي تستحق التعامل معها، والموظفون يبحثون عن الشركات التي تستحق أن يبذلوا فيها قصارى جهدهم للعمل على إنجاحها، والمستثمرون يبحثون
عن الشركات التي تستحق توظيف أموالهم فيها. باختصار: لقد أصبحت لدى المواطنين القدرة على مكافأة أو معاقبة المؤسسات والشركات على أفعالها وقراراتها؛ وهم يفعلون هذا بتطبيق مجموعة من السلوكيات الأخلاقية الاقتصادية. ولعل من المدهش أن حالة الكساد الاقتصادي لم تؤثر البتة على رغبة المواطنين في التعامل مع “الشركات الصالحة”. فعلى الرغم من أن ثمن السلع عالية الجودة التي تنتجها الشركات الصالحة أعلى من منتجات الشركات الأخرى، تجد أن هذه النقطة لا تشكل فارقًا مع المواطنين الذين أصبحوا أكثر دقة في التحري عن الأخلاقيات السائدة في مختلف الشركات في الآونة الأخيرة. توصلت دراسة أجريت عام 2009 على ستة آلاف مستهلك على مستوى العالم إلى أن 61 % من هؤلاء المستهلكين اشتروا على الأقل سلعة واحدة تدعم قضية أو هدفًا ساميًا، حتى ولو لم تكن هي الأرخص ثمنًا في السوق.
كما صرح 64 % منهم بأنهم ينصحون الآخرين بالقيام بنفس الأمر وشراء سلع تدعم قضية ما، وهي نسبة أعلى مما كانت عليه في العام السابق لهذه الدراسة، حيث كانت 52 % فحسب. يبدو الأمر هنا كما لو أن الأزمات الاقتصادية وجهت صفعة إلى المستهلكين في العالم بأسره، وجعلتهم يدركون حالة المادية والأنانية التي تحكمت في ثقافة واقتصاد العالم على مدار العقود الثلاثة المنصرمة.
هنا تغيرت سلوكيات الناس، وألزموا أنفسهم بالتعامل مع الشركات التي تطبق معايير أسمى وأفضل لتخطي الأزمة الاقتصادية؛ الأمر الذي أجبر حالة الجشع المتفشية في عالم الأعمال على الانحسار شيئًا فشيئًا.
ومع ارتقاء أخلاقيات المواطنين الاستهلاكية، بدأنا ندخل في حقبة اقتصادية جديدة تتخطى الحقبة القديمة بكل أزماتها ومشكلاتها. تسمى هذه الحقبة ب“عصر الجدارة،” حيث تواجه فيها الشركات ضغوطًا متصاعدة لإثبات أنها جديرة بثقة موظفيها وعملائها ومستثمريها. وحتى تتمكن من ذلك، يجب عليها أن تمزج بين الذكاء التنافسي والرغبة الحقيقية في تحقيق هدف أكبر وأسمى من مجرد زيادة أرباحها على المدى القصير أو تحقيق النفع لأصحاب المصلحة فقط. بعد ذلك عليها أن تدعم نواياها الحسنة بأفعال وقرارات على أرض الواقع، مع إدراك أن هذه الحقبة تعتمد على مبدأ المعاملة بالمثل. فإذا رغبت الشركات والمؤسسات في تحقيق النجاح والازدهار، يجب عليها أن تثبت اهتمامها بالمواطنين وبالقضايا التي تهمهم. وهكذا، فإن ما كان أمرًا اختياريًا في السابق، أصبح ضرورة ملحة الآن.
Tشركة جديرة بثقة موظفيها الشركة الجديرة بثقة موظفيها هي تلك التي تعاملهم باحترام وبشكل لائق، وتنظر إليهم ليس فقط باعتبارهم تكلفة تتكبدها ولكن أيضًا كأصل من أصولها المهمة. في الواقع، يمزج مدير الشركة الصالحة بين تقديم رعاية واهتمام أكبر بموظفيه وبين اتباع منهج تحليلي دقيق لإدارتهم. ومن خلال الاستغلال الأمثل للبيانات – عن اهتمامات وقدرات وأداء الموظفين مع ربطها بأهداف الشركة – يمكن لأصحاب الشركات أن يدفعوا مرؤوسيهم نحو النجاح والتألق، كما يمكنهم أيضًا أن يدعموا ثقافة الإلهام بأن يضعوا مهمة أسمى للشركة يسعى جميع الموظفين إلى تحقيقها. كل هذا سيجعل من الشركات بيئة
أفضل للعمل فيها، وهو ما سينعكس على مستوى أدائها، وسيؤدي إلى تحقيقها نجاحات باهرة.
شركة جديرة بثقة عملائها
الشركة الجديرة بثقة عملائها هي تلك التي تسعى إلى عقد صفقات مربحة للطرفين: الشركة والعملاء. وهذه الفكرة تلغي تمامًا مبدأ “القانون لا يحمي المغفلين” الذي حكم المعاملات التجارية لقرون طويلة؛ فواجب الشركات الآن أن تحترم عملاءها، لا أن تخدعهم لتحقق أرباحًا أكبر على حساب خسارتهم.
شركة جديرة بثقة مجتمعها
الشركة الجديرة بثقة مجتمعها هي تلك التي تهتم بالبيئة المحيطة بها والمجتمع الذي توجد فيه وتؤثر عليه، وتحد من الأضرار البيئية أو التلوث الناجم عنها، وتقلل من إهدار الطاقة، وقد يصل بها الأمر إلى المساعدة في إيجاد حلول خلاقة ومبتكرة لمشكلات البيئة أو المجتمع من خلال استغلال المهارات والموارد المتاحة لديها.
تُظهر الشركة الجديرة بثقة مجتمعها اهتمامًا عميقًا وحقيقيًا بالمناطق التي تعمل فيها. فهي لا تهتم فقط بعملائها، بل تهتم أيضًا بالأشخاص الذين يعملون أو يعيشون بالقرب منها. واستحقاق الجدارة المجتمعية يعني أيضًا قيام الشركة بالأعمال الخيرية التقليدية على غرار تقديم التبرعات للمستشفيات والملاجئ.
العلاقة بين العميل وإدارة الموارد البشرية
يدعم العملاء في أي مكان الشركات التي تقدم لهم سلعًا وخدمات بأسعار منخفضة. وهذا ما أدركته سلسلة متاجر
“وول مارت” عام 2007 ، فبدأت في التخلي عن شعارها الشهير “أسعار منخفضة دائمًا،” لتتبنى شعارًا جديدًا استوحته من عملائها، تؤكد به أن الصفقات الشرائية الناجحة هي التي تخدم العميل، وكان هذا الشعار هو: “وفر مالك واحظَ بحياة أفضل.” لقد قدمت “وول مارت” لعملائها شعارًا أشبه بالخبرة الحياتية. ولكي تتمكن الشركات الأخرى من القيام بالمثل، وتقدم خبرات حياتية لعملائها وليس مجرد خدمة أو سلعة عادية، عليها أن تبقى في حالة اتساق دائم بين ما تقدمه للعميل وما يحتاجه ويرضيه، فلربما دفع حمام غير نظيف، أو نادل وقح، أو مضيف قليل الخبرة، العميل إلى التردد قبل أن يعاود التعامل مع شركة ما.
يعني الاتساق هنا أن يحصل الموظف الذي يتعامل مع العملاء بشكل مباشر على نفس مستوى الخدمة الجيدة من شركته. فمن المهم جدًا أن يحظى بتجربة رائعة في مكان عمله تدعمه وتجعله يقدم أداء متميزًا. كما ينبغي على الشركة أن تختار للعمل لديها أشخاصًا يتمتعون بسمات معينة تؤهلهم لخدمة عملائها، وتدربهم على منهجيتها، وتحفزهم على تبني مبادئها وقيمها. تجدر الإشارة هنا إلى أن تقديم مكافآت مالية سخية للموظفين، وإحاطتهم ببيئة عمل صحية وآمنة، وإدارتهم بالشكل الملائم جزء لا يتجزأ من كل ما سبق.
على غرار الطريقة التي تتبعها الشركات الرائدة في دراسة العملاء وتقسيمهم ومتابعتهم، تحتاج الشركات الراغبة في تقديم تجربة رائعة لجمهورها أن تحلل أداء موظفيها ومدى تأثيره على العملاء، وأن تشجعهم على تقييم عملهم وعلاقتهم بالعملاء، وأن تحثهم على الابتكار واتخاذ زمام المبادرة. باختصار: التجربة المتميزة للعميل تبدأ بتجربة متميزة للموظف.
مراقبة المجتمعات للشركات
بدأ الناس خلال العقد الأخير في الإفصاح عن الكثير من جوانب خبراتهم الحياتية بشكل غير مسبوق، فأصبحوا يوثقون كل شيء – حياتهم اليومية ومشاعرهم وملاحظاتهم وآراءهم – بالاستعانة بوسائل صارت شديدة الانتشار، على شاكلة المنتديات والمدونات الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي ك“تويتر” و“فيسبوك،” وتتركز أغلب حالات التعبير عن النفس في الكتابة عن تجاربهم كموظفين ومستهلكين ومستثمرين. وستجد على “فيسبوك” الكثير من الصفحات التي تدور حول عالم الأعمال والتجارة، بعضها
أنشأها موظفون، وبعضها الآخر أنشأها مستهلكون. ولعل ظهور مواقع التدوين والتواصل الاجتماعي هو ما غذى هذه الظاهرة ودعم انتشارها بهذا الشكل، وجعل من السهل على أي شخص أن يبدأ في كتابة يومياته وإنشاء مجموعات للنقاش على الإنترنت، مع التمتع بحق الإعلان عن هويته أو إخفائها.
كما أتاحت الطبيعة التفاعلية والانتشارية لهذه الأدوات التكنولوجية للناس التعليق على تدوينات غيرهم، وتمرير روابط التدوينات التي تعجبهم إلى شبكات معارفهم وأصدقائهم. باختصار: إذا أردت أن تشكو من أي شخص أو أية جهة ستجد المكان المناسب لذلك، وستجد لشكواك جمهورًا، وبالتالي لم يعد بإمكان أية شركة إخفاء أي شيء عن الجمهور بعد الآن.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي