جريدة عالم التنمية

الجزء الأول من تلخيص كتاب " أسرار الإنتشار" تأليف: جونا بيرجر


لم تنجح بعض المنتجات والأفكار ويخفق بعضها الآخر؟
حين نضرب الأمثال للأفكار والمنتجات التي أحدثت دويًامذهلاً وتركت بصمة رائعة لدى الجماهير… فهي كثيرة.فما بين تقاليع الأساور الصفراء التي – كما يدعون – تعيدللحياة اتزانها، والعادات السبع للقيادة الناجحة، والحمياتالغذائية المذيبة للدهون، وغيرها الكثير تجد نماذج شائعةللأفكار التي انتشرت كالنار في الهشيم. ورغم تعددالنماذج التي تحمل سمة الانتشار، فإن آلية هذا الانتشار ومنهجيته تزدادان غموضًا يومًا بعد يوم. فمع المبالغوالأموال الطائلة التي تنفقها المؤسسات في حملات الدعاية
والإعلانات، قلة قليلة فقط من الأفكار تنجح في الانتشاربينما يفشل بعضها الآخر. فلا عجب أن يندثر الكثير منالمطاعم، وتنهار معظم الأعمال، وتخفق غالبية الحركاتالمجتمعية لفشلها في الانتشار.قد يرجع انتشار بعض المنتجاتالأكثر فاعلية، وانتهاج النظريات العلمية الأكثر صحةودقة. ومن ثم فنحن نتوجه تلقائيًا نحو الخيارات الأكثرسهولة وفاعلية. هل تذكر، على سبيل المثال، ضخامةشاشات الحاسب الآلي في الماضي؟ لا عجب إذن أنتستحوذ الشاشات الحديثة المسطحة على الأضواء ليس
فقط لكبر شاشتها، وإنما أيضًا لسهولة حملها وخفة وزنها.من ناحية أخرى تلعب الأسعار دورًا بارزًا كأحد العواملالمساعدة في الانتشار. فمن منا لا يضع سعر المنتج ضمندوافع الشراء – إن لم يكن هو الدافع الأهم والأوحد! ولاتقل الدعاية والإعلانات أهمية عن سعر المنتج ومميزاته.فبالتأكيد لن يُقبل المستهلك على شراء منتج مغمور أومجهول الهوية.
ولكن على الرغم من الدور الذي تلعبه تلك العناصرالثلاثة – الجودة، والسعر، والدعاية – في نجاح وانتشارالمنتجات، ما زال هناك عنصر مفقود! فبالتأكيد لا ترجعشعبية بعض مقاطع الفيديو على موقع”يوتيوب“ دون غيرها إلى جودةصناعتها أو بخس ثمنها، بل إنك عادة ما تجد المقاطع التي يلتقطها الهواة عبر هواتفهم المحمولة تحقق نجاحًا وانتشارًا أكثر من تلك التي تتمتع بجودة وتقنية عالية. فما السر إذن؟ والأفكار إلى الخصائص والخيارات التي تميزها عما سواها. فالإنسان يميل بطبعه إلى تصفح المواقع الإلكترونية الأسهل استخدامًا، وتناول الأدوية
الدعاية الشفهية
نميل نحن بني البشر إلى تبادل ومشاركة الأحداثالشخصية، والأخبار، والمعلومات بعضنا مع بعض.فنخبر أصدقاءنا عن رحلاتنا المفضلة، ونرجح لجيراننابعض الصفقات والعروض المغرية، ونتجاذب أطراف الحديث مع زملاء العمل حول احتمالات تسريح أعداد
من الموظفين. كما نعمد إلى استخدام المواقع الإلكترونية للتعبير عن آرائنا حول بعض الأفلام، ونتبادل الشائعات عبر ”فيسبوك“، ونكتب التغريدات حول الوصفات الفعالة المجربة. كل ذلك وأكثر يندرج تحت مصطلح ”الدعاية الشفهية“، والذي يزداد فاعلية عن سبل التسويق التقليدية لأنه:
أكثر إقناعًا: عادة ما تتمحور الإعلانات حول روعة المنتجات دون أدنى إشارة إلى العيوب والسلبيات المحتملة.
أما الموضوعية والمصداقية ممتزجتان بالحميمية التي تربطنا بأصدقائنا تجعلهم الأجدر بالثقة، ومن ثم الإقناع.
أكثر تحديدًا: تعمد الإعلانات إلى استهداف أكبر قدر من العملاء المهتمين والمعنيين. فعلى سبيل المثال: قدتتجه شركة مصنعة لألواح التزلج إلى نشر إعلاناتها من خلال مجلة متخصصة في هذا المجال كي تضمن وصول إعلانها لأكبر قدر من هواة التزلج. ولكن ما تغفل عنه هذه الشركة أن غالبية المتابعين لهذه المجلة لديهم ألواح تزلج بالفعل وليسوا في حاجة إلى مزيد منها، وبالتالي تضيع جهودها وأموالها هباءً! من هنا تبرز أهمية الدعاية الشفهية التي تستهدف تلقائيًا الجماهير المعنية. فبالطبع
نحن لا نشارك جميع القصص والأخبار مع كل معارفنا، وإنما ننتقي الأفراد الذين ستشكل لهم هذه المعلومة فائدة قصوى.
أكثر شيوعًا: لا جدال حول الدور الذي تلعبه الدعايةالشفهية في نشر النجاح بداية من كبرى الشركات التي
تهدف إلى زيادة مبيعاتها ووصولاً إلى أصغر المطاعمالتي تنشد استقطاب العملاء. فقط أطلق العنان لألسنة الناس.
وهنا يكمن التحدي، فكيف تجعل منتجك محورًا للدعاية الشفهية.
الطفرة الشبكية الاجتماعية
من منا لم يلحق بركب التكنولوجيا الحديثة لينعم بمزايا مواقع التواصل الاجتماعي التي تمهد الطريق نحو مستقبل مشرق؟ لقد بزغ في الفترات الأخيرة توجه ملحوظ من بعض الشركات والعلامات التجارية نحو تسخير بعض المواقع مثل ”فيسبوك“، و”تويتر“، و”يوتيوب“ للجذب والتفاعل مع المستهلكين. وسرعان ما تبنى المزيد من المؤسسات هذا التوجه ليلحق بركب التسويق الحديث. فالأمر غاية في البساطة: أطلق العنان للناس كي يتحدثوا ويثرثروا حول منتجك، وابدأ في جني الغنائم. ولكن في الوقت
ذاته يعتمد هذا المنهج بشكل رئيس على نقطتين رئيسيتين وهما محور التركيز وسبل التنفيذ. في تقديرك الشخصي
ما مقدار الدعاية الشفهية التي تتم عبر شبكة الإنترنت؟ في الأغلب سيتراوح تخمينك – كغيرك الكثيرين – ما بين 50 و 60 ٪. إلا أن البحث الذي أجرته مؤسسة ”كيلر فاي“ قد أطاح بهذه التخمينات والتوقعات ليثبت أن نسبة الدعاية الشفهية التي تتم من خلال شبكة الإنترنت لا تتجاوز 7 ٪! لا شك أننا نقضي الكثير من الوقت في هذا الفضاء الشاسع، إلا أنه لدى مقارنته بالوقت الذي نمضيه خارجه فبالتأكيد سترجح الكفة الثانية. وقد ترجع مبالغتنا في تقدير معدلات الدعاية الشفهية على الإنترنت إلى سهولة
تسجيلها، ورؤيتها، وملاحظتها في حين نغفل عن الدعاية الشفهية خارج الإنترنت لصعوبة تسجيلها واقتفاء أثرها.
كما يحبذ البعض الدعاية الإلكترونية لقدرتها على الوصوللأكبر قدر من المستهلكين في حين أن هذا المعتقد يحتمل
قدرًا من الصواب والخطأ. فصحيح أنك بنقرة واحدة من حسابك الخاص على ”فيسبوك“ أو ”تويتر“ تكون قد بعثتبرسالتك إلى مئات بل آلاف المستخدمين، ولكن ما أدراك أن كل مستقبل سيقف عند رسالتك ويتابعها واحدة تلو الأخرى! فآلاف الرسائل والتحديثات تنهمر على رؤوس المستخدمين يوميًا، ومن ثم فلن تجد من يسعفه وقته -وصبره – ليتأمل كل رسالة تعترض طريقه.
من ذلك تتضح مبالغتنا في تقدير الدعاية الإلكترونية علىحساب التفاعلات البشرية، والتي هي في واقع الأمر أكثر تأثيرًا وفاعلية. الجدير بالذكر أيضًا أن ”فيسبوك“ و”تويتر“ليسا سوى تقنيات – وليسا استراتيجيات – بمعنى أنمجرد تدشينك لصفحة على الأول أو التغريد على الثاني لا يعني بالضرورة أن يذيع صيتك في الأرجاء.
الصكوك الإجتماعية
تتأصل سمة التبادل والمشاركة بداخلنا منذ نعومة أظفارنافتجدنا نخبر أصدقاءنا عن أحدث مشترياتنا وأفضلمدوناتنا… إلخ. تلك الغريزة التي تحركنا نحو مشاركة أفكارنا، وآرائنا، وخبراتنا هي الدافع الرئيسي وراء نجاح المواقع الاجتماعية. فقد أثبتت الأبحاث أن خبراتنا الشخصية تستحوذ على 40 ٪ من مجموع محادثاتنا. والأمر لا يتعلق بالنرجسية بقدر ما يشكل مصدرًا للسعادة والرضا. ومن المعروف أيضًا أن ما تتفوه به ألسنتنا يعبر إلى حد كبير عن طبيعتنا وشخصيتنا؛ فإلقاء دعابة مضحكة في حفلة ما يعكس عنا انطباعًا بالفكاهة والتواضع. ومن ثم تتربع الدعاية الشفهية على عرش أدوات الانطباع الحسن.وهي في ذلك أشبه بالصكوك – أو بالأحرى الصكوك الاجتماعية: فكما نستخدم المال لشراء المنتجات والتمتعبالخدمات، نستخدم الصكوك الاجتماعية لنحقق الانطباع المنشود لدى الآخرين. لذلك تحتاج الشركات والمؤسسات إلى ”صكوك“ اجتماعية كي تمنح المستهلكين سببًا وجيهًا
للثرثرة حول منتجاتها وأفكارها. يتسنى لها ذلك من خلال ثلاثة سبل:
ابحث عن التميز: يقصد بالتميز تلك الأشياء غيرالمعتادة، والاستثنائية، والجديرة بالذكر. فمعرفة أن حيوانالكنغر، على سبيل المثال، لا يستطيع الرجوع إلى الوراء تستحق أن تتباهى بمعرفتها أمام الآخرين. ومن ثم توفر المعلومات المتميزة أحد أشكال الصكوك الاجتماعية لأنها تجعل من أصحابها أكثر تميزًا. ولطالما كان السعي وراءالتميز الاجتماعي – وسيظل دائمًا – أحد أهم الدوافع البشرية. فاقتناء المعلومات المثيرة والنادرة يجعلك تبدو أكثر ثقافةً واطلاعًا. ويكمن السر وراء التميز في مخالفة التوقعات: فمثلاً ما الذي تتوقعه لدى سفرك عبر شركة
طيران مغمورة وبخسة التكاليف؟ بالتأكيد مقاعد ضيقة وغير مريحة، دون شاشات لمتابعة الأفلام، والوجبات محدودة – إن وُجدت، أو باختصار ستكون تجربة خالية من كل مظاهر البهجة والرفاهية. ولكنك ستفاجأ بالعكس إذا ما سافرت عبر شركة ”جيت بلو“ التي توفر مقاعد رحبة ومريحة، ومجموعة متنوعة من الوجبات، والكثير من الأفلام المسلية. لذلك لا ينفك المسافرون عبر هذه
الشركة يثرثرون حول هذه التجربة المميزة والفريدة من نوعها متى أتيح لهم ذلك. لذا، اجعل منتجك مميزًا وسيتحدث عنه الجميع.
حفز التنافس: هل لديك لعبة مفضلة سواء كانتورقية، أو رياضية، أو حتى إحدى ألعاب الحاسبالآلي؟ هل فكرت يومًا في سبب عشقك لها دونغيرها؟ يكمن السر في ”التقنيات“، وهي تلك العناصر التي تجعل من الألعاب، والبرامج، والتطبيقات أكثر
جذبًا وإمتاعًا للمستخدمين. فمن منا لا يهوى تحقيق الإنجازات لا سيما إن كان إنجازًا ملموسًا – كالانتهاء من مرحلة شاقة في اللعبة والانتقال إلى المرحلة التالية!
تشكل هذه التقنيات نوعًا من الصكوك الاجتماعية لأن تحقيق الإنجازات يجعلنا نبدو في صورة أفضل. فنحن نميل بطبعنا إلى الثرثرة حول إنجازاتنا الاستثنائية.ويتطلب التحفيز على التنافس نوعًا من تقييم الأداء كييتسنى لكل فرد أن يحدد موقعه ويقارنه بالآخرين. تتمتع بعض المجالات – كلعبة الجولف لذوي الاحتياجات الخاصة واختبارات القبول الجامعي ب”الولايات المتحدة“– بإحصائيات ومقاييس معلنة كي يقيم الجميع أداءهم ويتباهوا بما حققوه من إنجازات. فإذا افتقر منتجك إلى القدرة على
التقييم التلقائي، فاعلم أنه بحاجة إلى أن يخضع لقواعد الألعاب المتداولة، أي يطرح الإحصاءات والتقييمات كييتباهى كل فرد بما أنجزه أمام الجميع، ومن ثم يقوم بدعاية غير مباشرة لمنتجك. وكذلك هو الحال حين تقدم لهم الهدايا أو الجوائز لما أحرزوه من إنجازات.
اجعلهم في قلب الحدث: تعد الندرة والتفرد من أهمالعوامل المحفزة للدعاية الشفهية، وذلك بأن تميز البعض عمن سواهم وتجعلهم في قلب الحدث. فحين يمتلك الناس ما يفتقر إليه غيرهم يخلق ذلك لديهم شعورًا بالتألق، والاستثنائية، والمكانة المرموقة. ومن ثم فلن يكتفوا بشراء المنتج أو الانتفاع بالخدمة، وإنما سيحرصون كل الحرص على أن يصل ذلك إلى مسامع الجميع، وبالتالي فالتفرد هو أحد أشكال الصكوك الاجتماعية. فحين يمضي أحدهم ساعات طوالاً في صفوف الانتظار ليشتري أحدث الأجهزة التكنولوجية فلن يتوانى – بمجرد انتهائه – عن إخبار الجميع والتفاخر بما اقتناه! ولطالما اعتمدت شركة
”ديزني“ إلى حد كبير على هذا المفهوم لترفع معدلات الطلب على أفلام ربما يكون عفا عليها الزمن. فتجدها تسحب شخصية كرتونية محبوبة ومرموقة مثل ”سنو وايت“ أو ”بينوكيو“ من الأسواق لتضعها ضمن ”خزينتها“ إلى أن تقرر إعادة إصدارها. تلك المحدودية تجبرنا على اغتنام الفرصة السانحة واقتناء إصداراتها قبل فوات الأوان – حتى وإن لم تكن لدينا حاجة أو رغبة في ذلك
من الأساس.
تشغل بعض الأفكار عقولنا وتستحوذ على تركيزنا أكثر مما سواها. فمن الممكن أن تفكر في اللحظة الحالية بالوجبة التي تناولتها على الغداء. وهناك بعض الأفكار التي تفرضها علينا هواياتنا وطبيعتنا؛ فمن الطبيعي أن تجد أحد عشاق كرة القدم لا ينفك يفكر بفريقه المفضل وأحدث مباراياته وإنجازاته. ولكن ذلك لا يلغي الدور الذي تلعبه العوامل الخارجية في توجيه وترتيب الأفكار والسلوكيات.
فقد تجعلك رائحة الطعام الصيني التي تتسلل إلى أنفك لدى عودتك للمنزل تغير مسارك وتمر بالمطعم لتناول وجبة خفيفة. وبالتالي تشكل الرؤى، والروائح، والأصوات ضربًا من ضروب المحفزات التي تدفع بما يرتبط بها من أفكار إلى قمة أولوياتنا. كذلك يشكل استخدام منتج بعينهأحد أنواع المحفزات. فعلى سبيل المثال: يستخدم الناسالحليب أكثر من عصير العنب، ومن ثم تجد الحليب أكثراستحواذًا على أفكارنا وترددًا على عقولنا. هل تتساءلعن المغزى من دراسة آلية الأفكار؟ الإجابة ببساطة لأن
الأفكار الأكثر استحواذًا هي الأكثر تحفيزًا على التحرك واستثارة لردود الفعل.
 
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزء الثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات