جريدة عالم التنمية

الجزء الاول من تلخيص كتاب “البديل الثالث ” تأليف: ستيفن كوفي

%d9%83%d8%aa%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%af%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d8%a7%d9%84%d8%ab

حلول ذكية لأصعب المشكلات الإنسانية

التضافر والتعاون البشري بنظرة جديدة

هناك وسيلة لحل أصعب المشكلات حتى تلك التي تبدو بلا حلول. وهناك طريق يتخطى كل مشكلات الحياة وخلافاتها العميقة، ولكنه ليس طريقي ولا طريقك، بل هو طريقنا الذي أطلقت عليه اسم ”البديل الثالث“. تنشأ معظم النزاعات بين طرفين، فقد اعتدنا التفكير بأسلوب ”فريقي“ و”فريقك“، ففريقي على حق يتسم بالعدالة، أما فريقك فجانبه الصواب وقد لا يكون عادلاً. لسان حال كل منا يقول هذا طريقي، وهذه شركتي، وهذا رأيي. جميع الحالات يطغى عليها الاختيار من بين بديلين اثنين. لذلك، فلدينا الأحرار والمحافظون، والجمهوريون والديمقراطيون، والعمال والإداريون، والعلم والدين، ولدينا الزوج وزوجه، والمدعي والمدعى عليه،
والاشتراكيون والرأسماليون، ولذلك لدينا العنصرية والتعصب والحروب، فالبديلان مترسخان ترسخًا عميقًا في عقليات معينة. على سبيل المثال: تتشكل عقلية أنصار البيئة من خلال تقدير جمال الطبيعة الرقيقة وتوازنها، أما عقلية المطورين فتتشكل من خلال رغبتهم في رؤية المجتمعات تنمو والفرص الاقتصادية تزداد.

وفي العادة يرى كل طرف نفسه أفضل وأكثر عقلانية بينما يرى الطرف الآخر أقل مكانة مفتقرًا إلى الحس العام. تمتزج الجذور العميقة لعقلية المرء مع هويته الشخصية، فإذا قلت إني من أنصار البيئة أو من المحافظين، فأنا أتحدث عما يتجاوز معتقداتي وقيمي.. أتحدث عن نفسي. لذلك، فعندما تهاجم ما أتحدث عنه، تكون قد هاجمتني أنا وهاجمت صورتي عن نفسي. في أسوأ الحالات قد يتطور الصراع بين هويتين إلى حرب، ومن هنا يتضح أن المشكلة الحقيقية هي نماذجنا العقلية، أي أنماط وأساليب تفكيرنا التي تؤثر على سلوكنا، فهي بمثابة الخارطة التي تحدد وجهاتنا.

تلك الخارطة التي ”نسترشد بها“ هي التي تحدد سلوكياتنا، وسلوكياتنا تحدد بدورها النتائج التي ”نحصل عليها“. على سبيل المثال: عندما جُلبت الطماطم للمرة الأولى من ”الأمريكتين“ إلى ”أوروبا“، وصفها عالم فرنسي متخصص في علم النباتات بأنها ”خوخ الذئب“ اللعين الذي تحدث عنه العلماء القدامى، وقد حذر منها قائلاً إن من يأكلها سوف يشعر بوخزات ورغرغة في فمه
ثم يموت، وبعد مرور قرابة قرن من الزمان، تبدلت تلك الفكرة بعد ظهور معلومات جديدة، فقد بدأ أهالي ”إيطاليا“ و”إسبانيا“ يأكلون الطماطم بعد أن زرعها ”توماس جيفرسون“، كما ورد لنا، ودعا إلى أكلها. والآن نعرف أن الطماطم غذاء صحي. هذا هو الأثر
السحري لتبديل النماذج العقلية، غير أن أوراق ثمرة الطماطم سامة، لذلك ففكرة معاداة الطماطم كانت صائبة إلى حد ما، وبالتالي فرغم أن بعض النماذج العقلية قد تكون أكثر اكتمالاً من غيرها، فلا توجد خارطة مكتملة اكتمالاً تامًا لأنها عبارة عن مجرد
رسومات وليست أماكن حقيقية.

فإذا كنت أنظر إلى الخارطة العقلية للبديل الأول، أي خارطتي أنا، فالمخرج الوحيد هو إقناعك بتبديل نموذجك العقلي أو إجبارك على قبول البديل الخاص بي: لا بد أن أربح ولا بد أن تخسر، ومن ناحية أخرى: إذا ما أطحت بخارطتي بعيدًا واتبعت خارطتك
أنت، وهو البديل الثاني، فسوف تواجهني المشكلة نفسها، فسوف تربح أنت في هذه الحالة وسوف أخسر أنا. يمكننا الدمج بين الخارطتين دمجًا مفيدًا، فربما نستطيع التوصل إلى حل أفضل من خلال الدمج بدلاً من الحل الذي يتمسك كل منا به.

مبدأ التضافر
نتوصل إلى البديل الثالث من خلال ما يُسمى عملية التضافر، وهي عملية قلما نعيها، ويرجع السبب إلى أن كلمة ”التضافر“ استُغلت على نطاق واسع مما شوه معناها، ففي عالم المال والأعمال، تستخدم تلك الكلمة استخدامًا ساخرًا للإشارة بأسلوب لطيف إلى الاندماجات والاتحادات وعمليات الاستحواذ التي لا تهدف سوى إلى رفع أسعار الأسهم، ولكن التضافر ليس ”حلاً وسطًا“، فالحل الوسط يعني أن 1+ 1= 1,5 في أفضل الأحوال، أي أن كل طرف يخسر جزئيًا، أما التضافر فليس حلاً للخلاف فحسب، فعندما يتضافر طرفان، فإنهما ”يتجاوزان“ النزاع كي يتوصلا إلى شيء جديد، شيء قادر على تغيير المستقبل. لذلك، فالتضافر أفضل من تمسك كل طرف ب”رأيه“. فهو ”رأي مشترك“ بين الطرفين.

يعتبر التضافر معجزة، فهو جزء من عالمنا، لكونه المبدأ الرئيسي الذي تعتمد عليه الطبيعة. على سبيل المثال: تتشابك أشجار الخشب الأحمر من جذورها كي تقوى على مواجهة الرياح وتنمو وتبلغ أطوالاً مذهلة، كما أن الطيور التي تتخذ شكل الرقم سبعة عند الطيران في مجموعات يبلغ معدل طيرانها ضعف معدل طيران الطيور الوحيدة بسبب تيار الهواء الصاعد الذي ينتج عن رفرفة أجنحتها، أما جزيئات نقطة الماء المتناهية الصغر فتتضافر لتكوين ندفة ثلج تتميز كثيرًا عن مثيلاتها، وفي كل تلك الحالات، الكل
أفضل من جزيئاته.

قد تتساءل عن إمكانية تحقيق التضافر مع جميع من حولك. الإجابة أن هناك صعوبة في تحقيق التضافر مع من يعاني من مشكلات عاطفية أو معرفية ويفتقر إلى ضبط النفس. لن تستطيع التضافر، بالطبع، مع شخص يعاني من مرض نفسي، ولكن معظم البشر في النهاية أسوياء. غير أن مشكلة وجود أسلوبي تفكير بديلين هي الفخ الثنائي الذي يخدعنا فنسقط فيه
ولو كنا أسوياء عقلانيين.

النماذج العقلية للتضافر

النموذج الأول: نظرة المرء إلى نفسه يتعلق النموذج الأول بنظرة كل منا إلى نفسه كشخص فريد يستطيع إصدار الأحكام المستقلة، وقادر على التفكير الاستقلالي. ما الذي يراه المرء منا حين ينظر في المرآة؟ أيرى شخصًا يراعي شعور الآخرين يتسم بالاحترام والتفتح؟ أم يرى شخصًا متعاليًا ينظر إلى الأطراف المتنازعة معه باحتقار؟ نظرتنا إلى أنفسنا لا تعبر وحدها عن حقيقتنا، فتلك الحقيقة تتجاوز مجموعة أحكامنا المسبقة وأفكارنا المبلورة سلفًا، تلك الأحكام والأفكار التي لا تشكلها عائلاتنا أو ثقافاتنا أو المؤسسات التي نعمل بها. لسنا مجرد كائنات أنانية شاكية متذمرة، بل علينا أن نقيم الكيفية التي تؤثر بها نماذجنا الفكرية على أفعالنا.
النموذج الثاني: نظرة المرء إلى الآخرين يتعلق النموذج العقلي الثاني بنظرتنا إلى الآخرين كبشر لا كأشياء. يعتمد الأمر بصفة أساسية على طبيعة شخصياتنا، إذ إنه يرتبط بحب الغير والكرم والشمولية والنية الصادقة. على عكس الوضع حين ننظر إلى الآخرين نظرة نمطية، ونصبح غير مؤهلين كي نحوز ثقتهم عند الموازنة بين مصالحنا ومصالحهم، ونرفض اللجوء إلى البديل الثالث، ففي تلك الحالة، ننظر إليهم بوصفهم ممثلين للطرف الآخر، وقد نسلك سلوكًا طيبًا عند التعامل معهم، ولكن الاحترام الذي نبديه لهم في الواقع زائف.
أطلقت على هذا الأسلوب اسم ”نظرتنا إلى الآخرين“ مستلهمًا الفكرة من التحية التي يلقيها شعوب ”البانتو“ بعضهم على بعض، فوفقًا لثقافتهم يلقي كل منهم التحية على الآخرين قائلاً: ”إني أراك“، أي أنه يعترف بكونه شخصية متفردة. معنى ذلك أنه يقول
له: ”إنسانيتي ترتبط بإنسانيتك ارتباطًا وثيقًا“، وهذا لأنهم جميعًا جزء من روح ”اليوبنتو“. من الصعب ترجمة هذه الكلمة، فمعناها يشبه معنى ”أنت موجود“ ولكنه أعمق من ذلك، معناها أن شخصًا ما يعتمد على شخص آخر كي يستمد منه كينونته. تفسر خبيرة الصحة العامة ”إليزابيث ليسر“ معنى هذه التحية قائلة إن الإنسان وفقًا لهذه التحية يستمد كينونته من كينونة أخيه الإنسان. من الممكن، أيضًا، تفسير المصطلح من خلال نقيضه أي من خلال النظرة النمطية التي تعني أننا نمحو من الصورة التي نراها كل ما يجعلنا ذوي كينونة مستقلة من خلال الإشارة إلى الآخرين بذكر وظائفهم فحسب أو أنماط شخصياتهم.
النموذج الثالث: الاعتراف بالاختلاف يرتبط هذا النموذج بالالتماس الصادق للاستماع إلى وجهات النظر المعارضة بدلاً من تجنب الاستماع إليها أو الدفاع عن وجهة نظرنا المعارضة لها، ومن خلال هذا النموذج أفضل رد على من يختلفون معنا في وجهات النظر أن نقول لهم: ”هل تختلفون معنا؟ حسنًا، نريد الاستماع إلى وجهة نظركم“، ولكننا يجب أن نعني ذلك حقّا.

يتميز أفضل القادة بأنهم لا يرفضون الاستماع إلى وجهات النظر المعارضة أو يقمعون أصحابها، فهم يعتبرونها فرصًا للمضي قدمًا لأنهم يعلمون أنهم سوف يعجزون عن تحقيق النمو أو التوصل إلى اكتشافات أو ابتكارات، ولن يسود السلام ما لم تظهر الأسئلة
المستفزة إلى النور ويجيبون عنها إجابات صادقة. فالقائد الناجح لا يتجاهل الشخص الذي يختلف معه أو يقلل من قيمته، وإنما يذهب إليه قائلاً: ”إذا اختلف معي شخص في ذكائك وكفاءتك والتزامك، فمن المؤكد أن علي أن أفهم سبب هذا الخلاف. أريد أن
أفهم وجهة نظرك أو إطار معلوماتك“.

النموذج الرابع: التضافر مع الآخر يرتبط النموذج الرابع بالسعي إلى البحث عن حل أفضل من الحلول التي توصل إليها الجميع فيما سبق، بدلاً من الغرق في دوامة الهجوم بعضنا على بعض. إنه بمثابة عملية للتوصل إلى بديل ثالث، كما أنه يتمحور حول الشغف والطاقة والإبداع ومتعة خلق حقيقية جديدة أفضل كثيرًا من سابقتها، ووفقًا لمدرب ”الإيكيدو“ الشهير ”ريتشارد مون“، أكثر ما يميز هذا الفن الحربي أن ممارسيه لا يقاومون قوة الطرف الآخر، فعند تسوية النزاعات لا يعارض أي منهم معتقدات الطرف الآخر أو أفكاره على الإطلاق، بل إنهم يسعون إلى معرفة أفكاره وحدود طاقته وحالته المعنوية كي يتمكنوا من التحرك وتغيير الوضع.

نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزء الثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي
 

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات