جريدة عالم التنمية

الجزء الثاني من تلخيص كتاب “الاقتصاد عارياً ” تأليف: تشارلز ويلان

arm
الحكومة والاقتصاد
ترك الماضي إرثًا رقميًا معرفيًا نافعًا إزاء مسببات فشل الدور الشمولي للحكومة، ويشير استقراء تلك الأرقام إلى نتيجة مهمة مفادها أن التدخل الشمولي أفقدنا القدرة على إنجاز أهداف الكفاءة والمنافسة بسبب تقديم معايير العدالة في سلم الأولويات! لكن هل هذه التجارب كفيلة بتعميم فشل دور الحكومة في الاقتصاد؟ ماذا لو غابت الحكومات يومًا عن الساحة؟ كيف ستعمل السوق دون رقابة أو تنظيم؟ هل يزدهر الاقتصاد وترتفع معدلات النمو إذا تلاشى دور الحكومات في الدول المتقدمة؟ وماذا عن الدول النامية والفقيرة، هل بإمكان الاقتصاد الحر أن يصحح نفسه في مجتمعات الفقر والجهل، والتي ترتفع فيها معدلات الجرائم، وهل يمكن لليد الخفية أن تلعب دور الرادع والمنظم والمراقب والمصحح؟
هناك دول كثيرة تعاني نقصًا في الموارد التي تحرك عجلة الإنتاج، وهي تجد صعوبة في القيام بأبسط العمليات التجارية التي تنشط اقتصاد الدولة، وأخرى تعاني اضطرابات أمنية وسياسية تعطل دوران عجلة النمو وتعيق تقدمها. في هذه الدول يعد وجود الحكومة الفاعلة أمرًا لا غنى عنه. بل إن دور هذه الحكومات يمتد لتصبح فاعلاً اقتصاديًا رئيسيًا يقلل تكلفة القيام بكثير من الأعمال التي ستثقل كاهل القطاع الخاص إذا ما تولاها. وهنا تعمل الحكومات على إنشاء وبناء المرافق العامة، والبنى التحتية، والطرق، والأنفاق، والموانئ، والجسور، وغيرها من الأساسيات التي لا يمكن أن تدخل في إطار ملكية القطاع الخاص. ليس هذا فحسب، بل تقوم الحكومات بإعادة توزيع الثروات داخل البلاد، عبر جمع الضرائب من المواطنين وتوزيع الفوائد والفوائض على الفئات الفقيرة، لأن الضرائب تُعد من الأدوات المهمة في يد الدولة لمساهمتها في تحقيق الكثير من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية، ومن بينها إعادة توزيع الدخل القومي.
لكن هذا يجرنا إلى جدل من نوع آخر، حيث ينتقد كثير من المحللين قدرة الدولة على تحديد الفئات الجديرة بهذه الفوائد، على اعتبار أن الطبقة الوسطى هي المستفيد الوحيد من إعادة توزيع الثروات الناجمة عن جباية الضرائب في شكل رعاية صحية
وضمان اجتماعي وإعادة توزيع الدخل، بينما لا تستفيد الطبقات الفقيرة من هذه العوائد كما ينبغي!
فما هو رأي الاقتصاد في هذا ؟
لا يمتلك علم الاقتصاد أدوات تكفي للإجابة عن الأسئلة الفلسفية المتعلقة بتوزيع الدخل. على سبيل المثال: لا يمكن للاقتصاد أن يثبت أن أخذ دولار من شخص غني وإعطاءه إلى أحد الفقراء سيساهم في رفع معدل الرفاهية الاجتماعية! قد يكون هذا ممكنًا نظريًا فقط، إلا أن استفادة الفقير من هذا الدولار قد تكون أقل بكثير من خسارة الغني الذي أضيرت منفعته الكلية! وفي كل الأحوال فإن الاعتماد على مفهوم ”المنفعة“ كمقياس لرفاهية المجتمع هو مفهوم نظري، وليس أداة قياس كمية يمكن مقارنتها بين الأفراد وبالتالي تطبيقها على المجتمع ككل.
ومن هنا يمكننا القول إن الحكومة تستطيع تطوير وتحسين السعة الإنتاجية للاقتصاد من خلال وضع إطار قانوني واضح، يهدف إلى
تعظيم منفعة الأفراد عبر تقديم الخدمات العامة التي لا يمكن للأفراد شراؤها لأنفسهم.
يمكن للحكومات أن تحمي المستهلكين من الشركات الضخمة والمتعولمة والمتجبرة. فمثلاً: تستعمل الحكومة الفدرالية قوانين مكافحة الاحتكار لمراقبة أو كسر تجمعات شركات الأعمال الاحتكارية التي قد تصبح قوية إلى درجة تمكنها من سحق المنافسة. كما تحتاج شركات الأعمال إلى نظام قانوني ومحاكم تمثل العدالة لتحمي حقوق ملكيتها، وتفرض تطبيق العقود وحل النزاعات، وهو ما توفره الحكومات. ليس هذا فحسب، بل تنظم الحكومات نشاطات الشركات الخاصة لحماية الصحة والسلامة العامة والمحافظة على البيئة. وهكذا يمكننا القول إن اقتصادات الدول التي تتمتع بحكومات قوية أفضل وأنجح من اقتصادات الدول التي تعاني من قصور الحكومات ولا تستطيع تفعيل أطر ونظم قانونية لتوازن بين قوى السوق.
رأس المال البشري والإنتاجية
رأس المال البشري هو مجموع المعارف والمؤهلات والمهارات والمميزات والقدرات والمواهب ونقاط القوة الشخصية التي تيسر خلق جو من الرفاه الشخصي والاجتماعي والاقتصادي، حيث يشكل رأس المال البشري قيمة غير محسوسة، لكنها قادرة على دعم الإنتاجية والابتكار وخلق فرص العمل وتعزيزها. ويتضمن رأس المال البشري القيم والمواقف إزاء العمل الجماعي والاندفاع
والحماس والحافز والانفتاح وقبول الآخر واحترام حرية الفكر وقبول التغيير والتطوير وابتكار الأفكار الجديدة التي تساهم بدورها في توليد معارف جديدة.
لا يقتصر الاستثمار في رأس المال البشري على زيادة كسب المال فقط، بل يجعل منّا أفرادًا فاعلين في المجتمع، وآباء صالحين، وناخبين مؤثرين على درجة عالية من الوعي، لنكوّن مجتمعًا يُقدِّر الثقافة ويحترم الفن، لكي نتمتع ونستمتع بثمار الحياة، ونعيش في مجتمعات متحررة وواعية، فينعكس التراكم المعرفي المتوفر للعقل البشري على رخاء المجتمع ككل.
رأس المال البشري والرفاة الاقتصادي
هناك علاقة وطيدة تربط بين مستوى رأس المال البشري والرفاه الاقتصادي للمجتمع، في ذات الوقت الذي تعاني فيه العلاقة بين الموارد الطبيعية ومستوى المعيشة قصورًا يعطل الوصول إلى الرفاه الاقتصادي المرجو. هناك دول مثل اليابان وسويسرا تعتبر من أغنى دول العالم، رغم الضعف النسبي لمواردها الطبيعية. في حين نجد دولة مثل نيجيريا المليئة بالثروة النفطية لم تحقق المستوى المعيشي المتوقع رغم وجود مورد طبيعي استراتيجي! فأين تكمن أهمية رأس المال البشري؟ يرتبط ”رأس المال البشري“ بأحد أهم مبادئ الاقتصاد: ”الإنتاجية“.
والإنتاجية هي الكفاءة التي يتم بها تحويل المدخلات إلى مخرجات، ويُعبر عنها بمعدل ما يمكن الحصول عليه من الإنتاج على معدل ما يُصرف للحصول على هذا الإنتاج.
ويأخذ هذا المعدل صيغة توازن بين مجموع المخرجات التي يتم الحصول عليها من سلع وغيرها، وبين مجموع المدخلات التي يتم إدخالها في سبيل إنتاج هذه السلع من عمل وآلات ومواد أولية.
ولذا فإن أهمية رأس المال البشري تتجلى يومًا بعد يوم أمام المنظمات والمجتمعات المختلفة، حيث ثبت أن أي عملية تطوير لنواحي ومكونات العمل في المنظمة أو الدول دون أن تشمل الاستثمار في المورد البشري، فإن هذا التطوير مصيره الفشل. التنمية الحقيقية ورفع الكفاءة الإنتاجية لا يتحققان بتطوير المباني أو الآلات أو التقنيات وفقًا للنظريات الاقتصادية الكلاسيكية، وإنما
يتحققان بتطوير المورد البشري القادر على التعامل وإدارة الموارد الأخرى واستثمارها بشكل منتج. ولهذا تؤكد الاستراتيجيات الإدارية الحديثة على ضرورة التركيز على الموارد البشرية واعتبارها رأس المال النادر والغالي الذي يصعب الحصول عليه.
لذلك فإن المدارس والجامعات والمعاهد التي تُخرج رأس مال بشريًا حيويًا وفعالاً، وتُصدره للشركات التي توظف هذا الكادر، هي المجتمعات التي تشهد ارتفاع معدلات الإنتاجية، والتي تستطيع أن تتفوق على كل ما يواجه الاقتصاد من أزمات وتحولات، في حين تقبع المجتمعات التي تضع استثمار العقل البشري في آخر سلم أولوياتها، في أسفل الهرم أو في قاع العالم بسبب عدم قدرتها على الإنتاج والمنافسة.
الاسواق المالية
ارتبط تطور أسواق المال تاريخيًا بالتطور الاقتصادي والصناعي الذي مرّت به معظم دول العالم ولا سيما الدول الرأسمالية. وقد جاء انتشار الشركات المساهمة وإقبال الحكومات على الاقتراض ليخلق حركة قوية للتعامل بالصكوك المالية، والذي أدى إلى ظهور بورصات الأوراق المالية والسندات ومفهوم أسعار الفائدة والائتمان، وغيرها من المصطلحات التي أفرخها النظام الرأسمالي.
الأسواق المالية مثل سوق السلع والخدمات، تسعى بدورها لتحقيق أعلى قيمة ممكنة. فكل من البائع والمشتري يسعي
لتعظيم المنفعة من خلال صفقات تعظم الربح. وتستند أسواق المال على أربعة احتياجات أساسية هي:
❂رفع قيمة رأس المال، وذلك عن طريق تداول الأموال بشكل يوسع قدرة الأفراد والمجتمع على الاستثمار، وهو ما يعكسه مفهوم الإقراض.
❂تخزين وحماية وحفظ قيمة رأس المال الزائد أو  الفائض.
❂التأمين والتحوط ضد المخاطر.
❂المضاربة؛ أي عملية التداول في أسواق المال بمخاطرة عالية وتوقع اتجاه السوق لتحقيق عائد أو ربح كبير وسريع.
إذا كان وجود أسواق المال ناجمًا عن تطور علم الاقتصاد والرأسمالية العالمية، فإن هذا الاتساع في النشاط المالي وآلياته من سندات، وأسهم، ومضاربات، أدى إلى انخفاض نسبة الأموال الموظفة في الاقتصاد الحقيقي – الصناعة والزراعة – وتراجع دور
القطاعات المنتجة في الاقتصاد الكلي، مما أدى إلى تضخم الاقتصاد المالي، وضمور الاقتصاد الحقيقي! وجاءت الأزمة المالية العالمية الأخيرة لتعطي دروسًا لا تُنسى وتثبت فشل الأنظمة الاقتصادية الحديثة، وتقود إلى إعادة مراقبة وتقييم هذه النظم المالية التي لطالما تركت فوضى عارمة ناجمة عن المضاربات والرهانات غير المحسوبة.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزء الثالث إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي
 

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات