جريدة عالم التنمية

الجزء الثالث من تلخيص كتاب “الأرباح من أسفل السلم الوظيفي إلى أعلاة” تأليف:جودي هيمان


التدريب المُجدي
تستطيع الشركات أن تجني فوائد ومنافع كثيرة بتقديمها برامج تدريبية إلى الموظفين لتحسين مهاراتهم المرتبطة بالعمل ورفع إنتاجيتهم. ونظرًا لأهمية فرص التدريب بالنسبة للموظفين الحاليين والمحتملين، فإنها تسهِّل تعيينهم والحفاظ عليهم داخل
الشركة؛ إذ إن الشركات التي تقدم فرصًا للتدريب تنجح في استقطاب أكفأ المهارات التي تصبح راغبة في مواصلة العمل لدى الشركة. ولكن على الرغم من جميع هذه الفوائد، فقلة من الشركات توفر هذه الفرص التدريبية.
خلق البيئة المناسبة للعمل
يجب أن ندرك أولاً أن مناخ العمل الملائم داخل الشركات والمؤسسات يؤثر بشكل كبير على أرباحها.
سنعرض في هذه النقاط طرقًا مختلفة تستطيع من خلالها ابتكار استراتيجية فعالة لتوفير ظروف العمل المناسبة لجميع الموظفين:
1- وضع معايير وقواعد سلوكية يجب أن ترسي معايير وقواعد سلوكية تحدد المتطلبات الرسمية للشركة لدى فروعها ومورِّديها
في الخارج.
❂أولاً: عليك أن تحدد الأهداف التي تريد تحقيقها من  وراء هذه القواعد، خصوصًا بالنظر إلى ظروف العمل لدى الموردين والمتعاقدين من الباطن.
❂ثانيًا: بسبب كثرة المشكلات التي تحيط بقواعد ومعايير العمل في الفروع الخارجية، حدد أولويات التصرف. فالمصانع غير قادرة على تطبيق جميع التغييرات فجأة وفورًا؛ لذا اسأل نفسك: ”ما التغييرات العاجلة والضرورية التي يجب تنفيذها دون تأخير؟ وأيها يمكن تنفيذه بالتدريج؟“ قد يتطلب ذلك من الشركة إعادة النظر في بعض الأمور. فهل لديها الاستعداد للتنازل عن بعض القواعد داخل المصانع التي ما زال الوقت طويلاً أمامها قبل أن تستطيع تحقيق أهداف الشركة؟ هناك ممارسات أسهل في التطبيق مقارنةً بغيرها.
فمعايير الأمان التي تتم في خطوة واحدة (مثل شراء وتركيب طفايات الحريق) يسهل تطبيقها مقارنةً بتغييرات وتحسينات أخرى واسعة النطاق (مثل تعديل مواعيد العمل وهيكل الرواتب). ترى بعض الشركات أنه نظرًا إلى تعقد بعض ظروف العمل، فمن الأفضل التحلي بالواقعية والبدء في إجراء التغييرات السهلة، ثم مواصلة التغيير شيئًا فشيئًا.
ولكن هناك شركات أخرى ترى أن هذا يعني الرضا بالظروف المتدنية بدلاً من السعي إلى إجراء تغييرات طموحة. وهنا يبرز سؤال حيوي: هل من الأفضل البدء بتغييرات جاهزة للتطبيق حتى لو لم تكن تعالج المشكلات الحالية المُلِّحة؟
على الرغم من أن الأمر ينطبق على جميع الشركات بمختلف أحجامها، فإن الشركات الصغيرة بصفةٍ خاصة تواجه قيودًا حين يتعلق الأمر بتطبيق قواعد ومعايير العمل الملائمة لدى مورديها الخارجيين.
فقدرتها الشرائية الضعيفة تعني أنها لا تستطيع إجبار الموردين على إجراء التغييرات التي تريدها، هذا غير أنها تملك موارد محدودة تمنعها من تنفيذ هذه التغييرات بنفسها. هناك حل وحيد يمكن أن تلجأ إليه هذه الشركات وهو التحالف مع شركات أخرى ذات تفكير وتوجه مماثل والاتفاق على مجموعة مشتركة من القواعد والمعايير لتطبيقها. ستستفيد الشركات الصغيرة من زيادة سطوتها ومضاعفة قوتها الشرائية عن طريق الاتحاد والتعاون مع شركات أخرى لتكوين كيان اقتصادي أكبر. كذلك من الممكن أن تتبادل هذه الشركات فيما بينها المعلومات الخاصة بمعايير العمل في المصانع، فتسهِّل بذلك تطبيق التغييرات المطلوبة ومتابعتها.
لكن العائق الوحيد هو عدم العثور على شركات لها نفس الاحتياجات الإنتاجية ونفس التوجهات بالنسبة لمعايير العمل، بالإضافة إلى القيود التي تُفرض على قراراتها الشرائية.
2- الدمج بين معايير العمل وثقافة الشركة ترسم معايير العمل إطارًا ناجحًا لتحسين الظروف التي يعمل في ظلها الموظفون. ولكن لكي نحقق النتائج المطلوبة، من الضروري دمج هذه المبادئ في جميع أنشطة الشركة. فموظفو الأقسام المختلفة قد تكون لهم رؤى وأولويات ووجهات نظر متباينة فيما يتعلق بمعايير العمل. لهذا لا يجب أن تكون معايير العمل همًا يشغل قسمًا واحدًا فحسب، بل يجب أن تصبح جزءًا من جوانب الإنتاج الأساسية، مثل تصميم المنتجات وعملية الشراء. إن الفرق بين المعايير التي تفرضها الشركات على مورديها وبين مطالباتها بخفض الأسعار وسرعة الإنتاج ينعكس في الاختلافات وفي الثقافة المؤسسية داخل الشركة نفسها.
على سبيل المثال: مديرو المشتريات قد توجههم مبادئ وأهداف مختلفة عن تلك التي توجه مديري قسم المسؤولية الاجتماعية. فحين يتلقى قسم المشتريات حوافز من مشرفيهم لكي يقللوا من نفقاتهم الحالية، عادةً ما تتأثر سلبًا القيم طويلة الأجل، مثل سمعة الشركة؛ لأن قسم المشتريات قد ينظر إلى ضمان الجودة، أو أخلاقيات العمل، أو حتى أمان المنتج باعتبارها عوائق غير ضرورية تحول دون الشراء بأسعار منخفضة.
3- اختيار مصانع وموردين ملتزمين تستطيع الشركات أن تلزم مورديها بتطبيق معايير العمل المرتفعة بإحدى طريقتين: إما باختيار
موردين مشهود لهم بتطبيق معايير العمل ومكافأتهم على ذلك، أو بتطوير المصانع التي تفتقر إلى ظروف ومعايير العمل الملائمة.
يمكن القول إن أعظم قوة لدى الشركات تكمن في قراراتها الشرائية الأولى، أي عندما تختار المصانع والموردين الذين ستتعامل
معهم. لذا لا بد من تقييم الممارسات المهنية والتشغيلية للموردين المرشحين قبل اتخاذ أي قرارات شرائية، بما أن تفضيل المصانع والموردين الملتزمين يشجع الشركات التي تحاول تحسين أوضاع موظفيها، مما يخلق حافزًا داخل السوق لتطبيق الممارسات المهنية السليمة.
تسهِّل هذه الممارسات لاحقًا عملية المراقبة والمتابعة لضمان الالتزام. ولا يقل عن ذلك أهمية تحديد عدد المصانع والموردين
الذين سيتم التعامل معهم. حيث تُتهم الشركات متعددة الجنسيات بتعاملها مع مئات الموردين بهدف التمويه وإخفاء الموردين الذين تتعامل معهم، مما يجعل من الصعب معرفة ظروف العمل لدى مورديهم. أما حصْر عمليات الشراء في عدد قليل من المصانع
فيسهِّل كثيرًا عملية مراقبة وتحسين ظروف العمل. وعلى الرغم من أن ذلك ينطبق على جميع الشركات بكافة أحجامها، فإنه يلمس بشكل أكثر تحديدًا الشركات الخاصة التي تستطيع أن تحصل على مزايا أكبر بشراء المزيد من المنتجات من عدد أقل من
المصانع.
4- مساندة الاستراتيجيات القومية حتى عندما تضع الشركة على رأس أولوياتها الالتزام بمعايير العمل، فقد يكون من الصعب على تجار التجزئة مراقبة عملية التوريد، بما أن هؤلاء التجار يشترون بضاعتهم من مئات الألوف من الموردين. فمتاجر ”وول مارت“ تستورد منتجاتها من أكثر من ألف مصنع من ”الصين“ وحدها، كما أن منتجات ”والت ديزني“ يتم تصنيعها في 30 ألف مصنع حول العالم. حتى إذا كانت علاقة تجار التجزئة قوية بعدد قليل من كبار الموردين، فإنهم عادةً ما يتعاقدون من الباطن مع صغار الموردين والعاملين من المنزل، فتتعقد سلسلة الإمداد وتزداد ضخامة، مما يصعِّب عملية المراقبة والمتابعة ويهدد دقة نتائجها.
لمواجهة كل هذه التحديات، قررت بعض الدول اكتساب سمعة قوية في جميع أنحاء الوطن فيما يتعلق بتحسين أوضاع ومعايير العمل. فعن طريق تبني برامج قومية تعتبر بمثابة قواعد سلوكية يطبقها الجميع، تستطيع الدول أن تظهر التزامها بتحسين الظروف التي يعمل في ظلها العاملون. ومن الناحية العملية، تتيح هذه المبادرات إمكانية الاعتماد على أنظمة المراقبة القومية، بدلاً من المراقبة الفردية التي تقوم بها كل مؤسسة لكل مصنع ومتعاقد من الباطن.
الاستفادة من المعايير الدولية
ما هي الطريقة المثلى التي تستطيع الشركات تطبيقها لضمان جودة إنتاجها عالميًا؟ وما هي معايير وممارسات العمل التي يجب عليها تبنيها داخل مصانعها؟ وكيف يمكن مراقبة هذه المعايير ومتابعتها؟
هناك أدلة تؤكد أن المستهلكين يهتمون بمعايير العمل المطبقة داخل الشركات التي يشترون منها منتجاتهم. فالدعاية السلبية المرتبطة بالإنتاج في ظل ظروف عمل سيئة وقاسية تصبح لها تبعات اقتصادية مؤثرة، لا سيما داخل الشركات ذات الاحتكاك المباشر بالعملاء الذين يبنون قراراتهم الشرائية على ماركة المنتج واسم الشركة. علاوة على ذلك، يرتبط تدني معايير العمل بتدني جودة المنتج، وكذلك بتدني معايير الأمان وسلامة الاستخدام. وهذا يؤدي إلى سحب المنتجات المعيبة من السوق لعدم مراعاتها المواصفات المعلنة، مما يكبد الشركة خسارة الأموال والسمعة وسقوط صورتها في المجتمع. لهذا السبب، هناك من الأسباب والحوافز الاقتصادية ما يجبر الشركات على الاستثمار في رفع جودة ظروف العمل داخل مصانعها بالخارج.
من شأن رفع الأجور ومرونة المواعيد وتحسين ظروف العمل أن يحقق فائدة عظمى للشركات من حيث مضاعفة حماس الموظفين وتشجيعهم على البقاء داخل الشركة وزيادة إنتاجيتهم ورفع جودة المنتجات. كما يمكن توفير هذه المزايا داخل البلد أو خارجها، لكن الفارق الرئيسي يكمن في صعوبة التأكد من تطبيق سلسلة الإمدادات الدولية لمعايير العمل السليمة في ظل غياب الرقابة المباشرة من الشركات على الموردين.
عندما تقوم الشركة بالإنتاج في مصانعها ومنشآتها الخاصة بالخارج، يكون من حقها أن تحدد المعايير التي يجب أن تلتزم بها هذه المصانع. والتنفيذ الفعال يتطلب التأكد من التزام المديرين المحليين بممارسات العمل التي تحددها الشركة وأن تكون لديهم الخبرة لتطبيقها.
أما الاستيراد من موردين خارجيين، فيحمل قدرًا كبيرًا من التحدي. وبعد تحديد معايير العمل الملائمة وتوضيح الأولويات، على الشركات أن تضع قواعد صارمة وحازمة تضمن التزام جميع أفراد الشركة. يجب أن يكون تحسين أوضاع العمل جزءًا أساسيًا من
الثقافة المؤسسية في جميع الأقسام والفروع، مع العلم أن النجاح يبدأ منذ خطوة اختيار الموردين والالتزام بمعايير العمل الملائمة. هذا غير أن عملية المراقبة تتطلب تقييمًا موضوعيًا وشاملاً، بالإضافة إلى حسن التعامل مع المعلومات والنتائج التي يثمر عنها التقييم.
نقلا عن www.edara.com
هذا المحتوي تم نشره علي جريدة “عالم التنمية
برعاية أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و “المنظمة الدولية للاعلام العلمي”
برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات