جريدة عالم التنمية

الجزء الاول من تلخيص كتاب “اقتصاد "الكفاية " ” تأليف: دايان كوييل

khul_0494_2012_20_book

هل نحن أمناء على مستقبل الأجيال القادمة؟

الأزمة المستمرة 
سؤال لا بد أن تسأله وتجيب عنه، ليس فقط الدول، بل والأفراد أيضًا، ويواجهون به أنفسهم: هل نحن حقًا أمناء على مستقبل الأجيال القادمة؟
تواجه الأنظمة الاقتصادية الرائدة في الوقت الراهن العديد من الأزمات على مختلف الأصعدة؛ فهناك: الأزمة المالية الحادة، والتفاوت الطبقي الاجتماعي الذي بلغ مداه، ولم يُرَ له مثيل منذ قرنٍ مضى، مما أدى إلى فقدان الثقة في الحكومات ورجال المال والأعمال، ثم هناك ما هو أسوأ؛ أعني التغير المناخي، تلك الأزمة التي تهدد الكرة الأرضية كاملةً وتعدها بالهلاك. وفي الوقت
ذاته، نجد العديد من المجتمعات يندم أفرادها على أنهم سمحوا لشهواتهم الاستهلاكية التي جرفتهم إليها الحياة العصرية بمستحدثاتها المتلاحقة والمتسارعة، أن تبتلعهم وتستحوذ عليهم دون الانتباه إلى المستقبل.
إن المشكلة الرئيسية، أو لِنَقُل، الكارثة الحقيقية التي أنتجت لنا هذه الأزمات جميعًا هي عدم الاكتراث بالمستقبل، والمغامرة بمقدَّرات الأجيال القادمة، وعدم وضعهم نصب الأعين، ويتبدى ذلك بوضوح في الطريقة التي تدار بها الأنظمة الاقتصادية. قد تكون معادلة صعبة، ولكنه التحدي الذي لا مفر من مواجهته: كيف يمكننا تحقيق ما نبتغيه اليوم من رخاءٍ مالي واقتصادي دون التضحية بمستقبل أبنائنا، ومجتمعاتنا، بل وبمستقبل كوكبنا الأرضي بأكمله؟ كيف نصل بهم إلى حد الاكتفاء الاقتصادي، أو ما يطلق عليه ”اقتصاديات الكفاية“، وإلى أعلى مستويات الأمان والرفاهية؟ إن تحقيق التقدم والرخاء والنمو الاقتصادي حاضرًا ومستقبلًا يتطلب نطاقًا واسعًا من التغيير في السياسات. وعلى قمة أولويات ذلك التغيير، لا بد أن يوضع تصور واضح ودقيق للتوقعات الاقتصادية
طويلة الأجل، ولإمكانيات ودلائل النمو والتقدم على المدى الزمني الطويل، وذلك عن طريق: العمل على جمع وإعداد إحصائيات رسمية دقيقة عن الثروات القومية وبخاصةٍ الموارد الطبيعية والبشرية، وعلى تشجيع الاستثمار بما يجعل معدلاته تفوق معدلات الاستهلاك، وسعي الحكومات إلى إشراك المواطنين في المناقشات والمشاورات التي تجريها بشأن الآفاق المستقبلية للمجتمعات والتحديات اللازم مواجهتها لبناء المستقبل.
التحديات 
1– الرخاء والرفاهية على مدى قرون عديدة ظل الفلاسفة يتدارسون ويبحثون في ماهية السعادة، وخلال القرن الماضي انكبَّ علماء النفس على إجراء التجارب العملية بدلاً من الاعتماد على النظريات المجردة لكي يتوصلوا إلى حقيقة السعادة. أما علماء الاقتصاد، فلم يشاركوا في البحث والنقاش الدائر حول ماهية السعادة إلا في السنوات العشر الماضية فحسب، في محاولة للإجابة عن التساؤلات التالية: لماذا يعد تحقيق الرخاء والرفاهية للمواطنين نقطة الانطلاق لتحسين الأداء الاقتصادي والدفع بعجلة التقدم في الأنظمة الاقتصادية الحديثة؟ وكيف يمكن لعلم الاقتصاد أن يساهم بفعالية في هذا الشأن؟
الإجابة عن التساؤل الأول: أن كل مجتمع من مجتمعات العالم الحديث يركز جهوده على تحقيق النمو الاقتصادي، وإن تفاوتت درجات النجاح في تحقيق ذلك الهدف، وأن الدور الرئيسي للحكومات هو توفير المزيد من الرخاء والرفاهية لمواطنيها، وجعلهم
أكثر ثراءً، بل إن الحكومات في واقع الأمر ترى أن المفتاح السحري الذي يضمن لها بقاءها في السلطة هو العمل على إرضاء المواطنين، الذي يتحقق بدوره بالعمل على توفير المزيد من فرص الثراء لهم، إلا أنه ظهرت أصوات تعارض هذه الادعاءات والافتراضات المسلم بها؛ ففي أكثر الدول ثراءً، أصبح هناك اتجاه متنامٍ نحو إعادة النظر في المبدأ القائل بأن النمو والازدهار الاقتصادي هو الهدف الرئيسي الذي تقوم عليه السياسات الحكومية، وصارت صلاحية ذلك المبدأ محل شك ومثارًا للجدل
والخلاف؛ فقد أصيب الأفراد، وبخاصة في الدول الغربية، بحالة من التخمة الاستهلاكية والنفور من الترف الزائد؛ فعندما تزول الأزمات المالية وتستقر الأوضاع الاقتصادية ويسود الرخاء والازدهار والانتعاش الاقتصادي، يكون أفراد المجتمعات في حالٍ من الرفاهية تتيح لهم إمكانية التوغل داخل ذواتهم، واستبطان نفوسهم، وتبين مكنونها من دوافع ومشاعر وأفكار، والبحث والتساؤل عن القاعدة الأخلاقية التي تقوم عليها الأنظمة الاقتصادية، وحتى عندما نأتي إلى أوضاع الدول الفقيرة التي هي في أمسِّ الحاجة دائمًا إلى النمو الاقتصادي، نجد أن البعض يرى أن ذلك النمو يأتي على حساب أشياء أخرى حيث يؤثر سلبًا على العادات والتقاليد والثقافات المتوارثة، أو يجلب معه الفساد السياسي والاجتماعي.
ولعل ذلك يدفعنا بقوة إلى العودة بضع سنوات إلى الوراء حيث الأزمة الاقتصادية والمالية الأخيرة التي دفعت العديد من المحللين والمفسرين إلى البحث في مدى فعالية وضع النمو الاقتصادي هدفًا رئيسيًا تُبنى عليه سياسات الدول؛ حيث انتقدوا التسليم بفكرة أنه ما دام إجمالي الناتج المحلي الفعلي في حالة نمو فإن الرفاهية والرخاء والسعادة وجميع رغبات المواطنين ممكنة التحقق.
إلا أن مناهضة النزعة الاستهلاكية العارمة التي استحوذت على الأفراد صارت لدى البعض قضية أخلاقية، في حين صارت لدى آخرين أشبه بصيحة (موضة) جديدة، بل إن تباهي أصحاب الثراء الفاحش بثرائهم أصبح من المنظور السياسي تهمة على اعتبار أن هؤلاء الأثرياء بنزعاتهم الاستهلاكية الفاحشة يتسببون في حدوث الكساد والركود الاقتصادي. في العديد من المجتمعات نجد أن الثقافة السائدة تملي عليهم فلسفة مفادها أن ”المال لا يجلب السعادة، بل ربما يجلب البؤس والشقاء“، بل إن علماء الاقتصاد أنفسهم يتدارسون ويبحثون حاليًا عن إجابة للسؤال التالي: هل الدخول العالية الناتجة عن الازدهار الاقتصادي تحقق السعادة لأصحاب هذه الدخول؟ وإذا كانت الإجابة بلا، فما إذن الذي يحقق السعادة لأفراد المجتمع، وكيف يمكن للسياسات الاقتصادية أن تساهم في تحقيقها؟
إذن، التحدي الذي يواجه الحكومات يكمن في تحقيق النمو الاقتصادي باعتباره هدفًا من الأهداف الحيوية، مع ضمان استمرار ذلك النمو مستقبلاً دون أن يؤثر سلبًا على باقي الأهداف الحيوية الأخرى، وهو ما يطلق عليه ”الاستدامة“.
بعبارة أخرى: التحدي الذي يواجه الحكومات يتلخص في المعادلة التالية:

السعادة = قيمة إنسانية وشعورا طبيعيا +الظروف التي تفرضها عليك ظروف حياتك + الأنشطة التى تؤديها بمحض إرادتك وإختيارك الحر

2– الطبيعة يرى العديد من الناس أن التغير المناخي هو الكارثة الكبرى التي تهدد نمط حياتنا، بل وتهدد حياتنا ذاتها، وغالبية الحكومات تطبق بالفعل سياسات مختلفة للحد من التأثيرات البيئية السلبية الناجمة عن التغير المناخي، ولكن ضغط المتطلبات المجتمعية الملحَّة التي تصر على الاستمرار في السياسات التي تدفع بعجلة النمو الاقتصادي قدمًا، تجعل من الصعب على الحكومات أن تتوسع في تطبيق هذه السياسات البيئية بما يضمن تقليص هذه التأثيرات إلى أدنى حدٍّ ممكن، ومما يزيد الأمر صعوبة وجود المعارضة السياسية التي تعارض بقوة السياسات البيئية الحكومية، والأمر لا يتوقف عند الانقسامات السياسية الداخلية بين من يعرقلون النمو والتطور، وبين من لا يؤمنون بوجود كارثة حقيقية تهدد البيئة، بل تمتد لتشمل الانقسامات السياسية بين الدول الفقيرة والدول الغنية، يضاف إلى ذلك الأغلبية الصامتة التي لا تملك آراءً علمية سديدة بشأن التغير المناخي، ومن ثم، لا تدرك حجم الكارثة ومدى حتمية التصدي لها بكل السبل وبكل التضحيات الممكنة.

ما السبيل للخروج من هذا المأذق ؟

 على صانعي القرارات المتعلقة بالاستهلاك أو بالموارد الطبيعية أن يمدوا الإطار الزمني الذي يضعونه لتنفيذ هذه القرارات، وأن يأخذوا بمعيار جديد لوضع السياسات الحكومية، وهو المعيار الذي لا بد أن يوفر للأجيال القادمة السعادة والرفاهية الاجتماعية، وأولى الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك هي قياس حجم وقيمة الثروات، وإجمالي الناتج المحلي أو الدخل شاملاً الثروات الطبيعية. أما الخطوات التالية فسيساعد على إنجازها إعطاء مدى زمني أطوللإفساح المجال لتقريب وجهات النظر المتضاربة ورأب الصدع بين الانقسامات الداخلية والخارجية.

نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزء الثاني إضغط هنا
هذا المحتوي تم نشره علي جريدة “عالم التنمية
برعاية أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و “المنظمة الدولية للاعلام العلمي”
برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات