جريدة عالم التنمية

الجزء الاول من تلخيص كتاب “الأخطاء المثمرة” تأليف: كاثرين شولتز

رحلة في أعماق الزلات البشرية

متعة الصواب 

يستقبل وعينا الإدراكي الأخطاء باعتبارها ضربًا من الخزي والغباء، بل وتتشعب جذورها لتشمل الجهل، والبلادة، والمرض النفسي، وحتى انحلال الأخلاق.
إلا أن هذا المعتقد – كغيره – لا بد وأن يخضع للتغيير إن لم يكن للتدمير. فزلتنا الكبرى أن نخفق في فهم المعنى الحقيقي وجوهر الأخطاء، حيث إن ارتكاب الأخطاء هو سمة بشرية طبيعية أبعد ما تكون عن العلل الذهنية، بالإضافة إلى كونه جزءًا أصيلًا من
أكثر خصالنا إجلالًا وإنسانية كالتعاطف، والتفاؤل، والإبداع، والقناعة، والبسالة، وليس خللاً أخلاقيًا كما يعتقد البعض، ناهيك عن كونه العنصر الأهم في عمليات التعلم وإحداث التغيير وليس له أدنى صلة باللامبالاة والتخلف. خلاصة القول: بفضل الأخطاء
نراجع أنفسنا، ونطور عقولنا، ونتصالح مع العالم.
تلعب الأخطاء دورًا في التنمية الذهنية والعاطفية لأنه من غير اللائق التمادي في التعامل معها بمنظور الانحلال واللاأخلاقية. وقد شبه ”بنجامين فرانكلين“ الزلات الإنسانية – في إحدى مقولاته عن الحقائق والأخطاء – بالنافذة التي يطل الإنسان من خلالها على العالم الحقيقي ويدرك أبعاده الخيالية، وقدراته اللامحدودة، وكذلك جوانبه المتهورة. ومن ثم فهذه المقولة تزيل الغبار عن حقيقة هامة، وهي أن أخطاءنا أيًا كانت جسيمة أو متواضعة فمنها نتعلم، وليس من صوابنا وسدادنا وحكمتنا فقط.
أنماط الأخطاء
من أكثر المعتقدات الشائعة حول مفهوم الأخطاء أنها تحوي بين طياتها جانبًا من الخطورة، والإذلال، والبغض، والملل. إلا أن هذا النمط من الأخطاء – وليكن النمط التشاؤمي – لا يخلو من الحسنات. فربما تزعجنا، وتهيننا، وتضرنا أخطاؤنا، وكذلك تفعل بمن حولنا.
وعلى الرغم من الإنصاف الذي تقوم عليه هذه الرؤية، فإنها تفتقر إلى بعض الأمور. فهي تدحض إحدى الحقائق الهامة وهي أن الأضرار الناجمة عن الوقوع في الأخطاء تتلاشى وتضمحل مقارنة بتلك التي تقودها مشاعر الخوف، والكره، والتنصل من المسؤولية، حيث  يتحول الخوف من ارتكاب الأخطاء إلى عقبة في طريق الأهداف، فتتحجر القلوب، وتتجمد العقول، وتتبلد العلاقات، وننفصل تدريجيًا عن الواقع.
ينبع الخوف من ارتكاب الأخطاء – كغيره من المخاوف – من انعدام الفهم بشكل أو بآخر، كما أن هذا النمط التشاؤمي ينهانا عن ارتكاب الأخطاء دون أن يدلنا على السبب ودون أدنى إشارة إلى الزلات التي تتحول أحيانًا إلى إيجابيات! فمن العدل أن ندرس تجاربنا الحياتية القائمة على الأخطاء من خلال منظورين مختلفين كي نقيمها على أكمل وجه. هنا يبرز النمط التفاؤلي الذي لا تتقيد رؤيته للأخطاء بالذل والانكسار، بل إنها لا تتقيد على الإطلاق.
فالاندهاش والحيرة، والتشويق والإثارة، والابتهاج والمسرة، كل هذه العناصر وأكثر تندرج ضمن النمط التفاؤلي للأخطاء. قد يندر اكتشاف هذا النمط فيما حولنا نظرًا إلى الهالة المتضخمة والملبدة بالمخاطر، والسلوك السلبي، والخزي، وغيرها من العناصر
الملازمة للأخطاء التي تحول دون رؤيته. إلا أن أحدًا لا يستطيع أن ينكر وجودها ودورها المتواضع والقوي – في نفس الوقت – في تغيير معتقداتنا عن مفهوم الأخطاء، وكذلك إعادة اكتشاف أنفسنا.
من أهم المبادئ المتأصلة والمترسخة في النمط التفاؤلي أن الأخطاء منبع الإبداع بما في ذلك أتفه الأخطاء وأبسطها؛ الأمر الذي يحدو بأنصار هذا النمط إلى التأكيد على دور الأخطاء في تحفيز الابتكار. ومن ثم يتسبب هذا المعتقد في نوع من الراحة النفسية وكذلك ”الضميرية:“ ارتكب أكثر الأخطاء فداحة، تخلص من المعتقدات التي يفرضها العالم من حولك، وستجد طريقك ممهدًا نحو مزيد من التفاهم. وهكذا تتبدل مشاعر الإهانة والبهتان بالإنجاز والاستنارة. تنعكس هذه العلاقة المعقدة والفريدة ما بين الخطأ والحقيقة في المعنى المزدوج الذي تحمله بين طياتها كلمة ”الرؤية؛“ فيمكن أن تنم عن الوهم أو عن الإلهام.
ولكن لسوء الحظ ونظرًا إلى شيوع وسهولة اكتشاف النمط التشاؤمي وما يصاحبه من مشاعر ذل وانكسار، فإن المعتقد الذي يثبت العلاقة ما بين الأخطاء والإبداع قد لا تبرز ملامحه على أرض الواقع بشكل ملحوظ. لذا كثيرًا ما تتحول الزلات إلى مقبرة للإبداعات، لا سيما حين تتحطم إحدى أفكارنا وأعظم معتقداتنا على صخرتها. وكذلك تكلفنا أخطاؤنا الكثير كي تتحول
في النهاية إلى دروس مستفادة. هنا تبرز الاختلافات بين نمطي الأخطاء التشاؤمي والتفاؤلي: فأخطاؤنا إما تعكس الطبيعة البشرية والسمات الدنيوية – أو تحجبها، تقودنا نحو الحقائق – أو تطمثها، تغاير العالم الواقعي – أو ترمز إليه بكل ما تحمله الكلمة من معنى، نوع من الخلل ينبغي علينا التصدي له – أو حتميات لا مفر من التعايش معها، وأخيرًا فهي إما همجية – أو غاية في الإنسانية. يمتزج هذا الخليط المعقد ليشكل في النهاية إدراكنا لمفهوم الأخطاء، ويرشدنا إلى التناقضات التي تحكم رؤيتنا للأخطاء
والسبل المتنوعة للتعامل معها والتي ربما لم تخطر ببالنا قط.
منشأ الأخطاء  : خداع الحواس 
تتنوع الأسباب التي يمكن أن نعلق عليها أخطاءنا، إلا أن خداع الحواس يتربع على عرش هذه الأسباب. وعلى الرغم من العواقب الوخيمة لمثل هذه الأخطاء ”الحواسية“ فإننا عادة ما نستهين بها – إن أعرناها انتباهًا في الأساس – غير مدركين أن الإخفاقات الحواسية والإدراكية تشكل جوهر الأخطاء بشكل أو بآخر. فبمجرد أن يقع أحدنا في خطأ ما، سرعان ما نُرجع ذلك إلى نوع من الوهم الحسي الذي ألمَّ بنا، والأمر سيان حين تتغير معتقداتنا حول شيء ما فنعتقد أننا قد تحررنا من هذا الوهم. وبشكل عام
تتشابه وتتجانس مرادفات الرؤية حين يتعلق الأمر بنظرتنا إلى كلٍّ من الحقائق والأخطاء. فمن يرون الحقيقة بعين بصيرة عادة ما يتمتعون بالإدراك الحاد، والفراسة، ودقة الملاحظة، والاستنارة، والوعي، والقدرة على التخيل والابتكار بعكس من يلازمون عصور الجهل والظلام. كما يتضح الدور الذي تلعبه الحواس في حياتنا اليومية من خلال محادثاتنا الاعتيادية كأن نقول حين نستوعب أمرًا ما: ”الآن قد (أدركت) وجهة نظرك“ وأيضًا ”لقد انعكست (رؤيتي) للأمور“ أو ”(أعمتني) الأكاذيب ولكني الآن قد (أبصرت)“… إلخ.
ينبع خداع الحواس من العمليات الإدراكية الطبيعية – والمفيدة في أغلب الأحيان.
ولا يقتصر ذلك على العمليات المرئية فقط؛ فالخدع السمعية أكثر شيوعًا وحدوثًا. قد تكون معتادًا هذا النوع من الخداع إن كان لديك هاتف جوال أو طفل صغير؛ فكم مرة تهيأ لك أنك تسمع رنين هاتفك أو بكاء طفلك دون أن يحرك الأول ساكنًا أو ينبس الثاني ببنت شفة! تأتي بعد ذلك الخداعات الملموسة ومن أشهرها تخدُر أو تنمُل الأطراف: وهو شعور مُلح بفقدان الشعور وعدم القدرة على تحريك أحد أطراف الجسد لوهلة.
كما يواجه بعضنا شعورًا مماثلًا يعرف بال”القبعة الوهمية،“ وهو أن يستمر شعورك بتأثير إحدى الملحقات، أو الضمادات، أوالملابس لوهلة حتى بعد نزعها.
قد تبدو الإخفاقات الحسية في بادئ الأمر خطرة أو مزعجة، تبعية أو تافهة، أو حتى مبهجة تمامًا كالأخطاء، إلا أنها تُبرز بدورها الجانب العملي وكذلك العاطفي لأخطائنا. لذلك يدعي البعض أنها نموذج مثالي للأخطاء. ولكن الأهم من ذلك أنه من خلال الخداعات نتعلم كيف نتأمل الأخطاء: فهي على المستوى الفكري توضح كيف لأكثر المظاهر الواقعية إقناعًا أن تنحرف وتخرج عن نطاق الواقع وحدود المألوف، وكيف للعمليات المعرفية التي يصعب اكتشافها – والتي تصب في صالحنا إلى حد ما – أن تتركنا عرضة للأخطاء. أما على المستوى العاطفي، فالخداعات الحسية هي منبع التواضع. فحتى إن لم نستطع أن نكتشف أخطاءنا ونغفر للآخرين أخطاءهم، فعلى الأقل تتاح لنا الفرصة لتأمل الأخطاء المشتركة والأكثر شيوعًا.
نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزء الثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني

#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي
 

Exit mobile version
التخطي إلى شريط الأدوات