نساء رائدات

نقلاً عن موقع مصراوي.. حكاية “دكتورة عبلة” مع “المبتسرين” وإنقاذ الأطفال على طريقة “الكانجرو”

العام 1978. كولومبيا تفقد مواليدها. تجاوزت وفيات حديثي الولادة أكثر من 50%، أعداد المبتسرين -الأطفال المولدة قبل ميعادهم- في تزايد، وأصبح الحاجة لمزيد من “الحضانات” أمرًا ملحًا لإنقاذ هؤلاء الصغار لكن الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية لا تملك المال الوفير لهذا. ظل المشهد على حاله إلى أن جاء طبيب أطفال يدعى إيدجر راي بطوق النجاة.

“حيوان الكانجرو لما بيتولد بيدخل الكيس في بطن مامته ويفضل ياخد الحرارة ويرضع لغاية ما يبقى ربع وزن أمه”. تساءل راي. أليس الإنسان من الثدييات؟ ماذا لو وضعت الأم رضيعها على صدرها فيتلامس جسدهما، وقد كان؛ فتح الطبيب جناح خاص للأمهات لتنفيذ التجربة، التي نجحت على مدار ستة أشهر في تقليل نسبة وفيات رضع كولمبيا لنحو 50%.

في ذلك العام، تخرجت عبلة الألفي في كلية طب المنصورة، عكفت على تحقيق أمنيتها بأن تكون طبيبة أطفال. 20 عامًا قضتها خارج مصر قبل أن تعود عام 1998 وتنقل تجربة الطبيب “راي” أو “الحضن الدافي” لإنقاذ الأطفال المبتسرين وحديثي الولادة في مصر، الذين بلغ عددهم -وفق آخر الإحصاءات لوزارة الصحة- نحو نصف مليون طفلاً سنويًا.

كان ترتيب عبلة الرابع بين زملاء دفعتها وقت التخرج، حينها انتظرت اللحظة التي حلمت بها منذ التحقت بالكلية بأن تتخصص في طب الأطفال، لكن النتيجة حملت خيبة الأمل؛ اختار الأول على الدفعة التخصص الذي رغبت فيه عبلة، وأصبح أمامها خياران فقط، إما أنف وأذن أو أشعة وأعصاب، إلا أنها قررت ترجيح إرادتها “استقلت ومشيت من الجامعة وسيبت مصر”.

سافرت عبلة للعمل والدراسة في الكويت، وُضعت مرة أخرى أمام المفاضلة على المستقبل، إما أن تعمل في طب حديثي الولادة أو الحميات. كان الخيار محسومًا، وقتها فقط علمت لأول مرة “يعني إيه حديثي الولادة”، وتلقت درسها الأول من طبيب إنجليزي “اللي ينبغ في التخصص ده لازم يكون بيحبه لأن دول مبيتكلموش ولا بيشتكوا ولا بيعترضوا على علاج أو رعاية غلط ومعظم أعراضهم متشابهة فمحتاجين حد يركز أوي فيهم”.

40 عامًا مرت على عبلة في طب الأطفال، رأست الجمعية المصرية لأعضاء الكلية الملكية البريطانية لطب الأطفال، وأسست مبادرة “حلمنا” لرعاية الطفولة عام 2015، لتفتح السيدة الستينية بمعاونة فريق من الأطباء باباً أوسع يشمل توعية الآباء ولا يكتفي بأهل الطب، كان آخر محاولاته بإطلاق حملة “ابني البدري” في 17 نوفمبر 2018، لنشر الوعي بمعاناة الأطفال المبتسرين وذويهم.

أن يخرج الطفل من رحم الأم قبل 37 أو 40 أسبوعًا، يعني فقدانه مخزونه من الحديد والمناعة المفترض تكوينه في الشهور الثلاثة الأخيرة، وكذلك عدم وصول وزنه للمعدل الطبيعي، ومن ثم مساحته الخارجية تكون كبيرة عن مستوى الدهون فيفقد الكثير من حرارته، وتصبح حياته مهددة لأي سبب ولو “مجرد شوية هواء” كما تقول أستاذ طب الأطفال.

في التسعينيات، لم يكن إقناع الأهالي والأطباء صعبًا بأن المبتسرين يحتاجون لـ”حضن” طبيعي وليس فقط “حضانة” زجاجية. تؤمن أستاذ طب الأطفال أن صدق الطبيب يظهر للمرضى بشرط الحديث معهم. تتذكر عبلة حالتها الأولى، حينما عادت إلى المنصورة، مكان نشأتها.

شابة مازالت تدرس في الجامعة، ساقتها الأقدار أن تلد طفلها الأول قبل ميعاده وذلك في المستشفى الخاص الذي تعمل فيه طبيبة الأطفال العائدة من الخارج. أرادت عبلة أن تنفذ التجربة كاملة، احتضان الطفل وإرضاعه الذي أثبتت الأبحاث أنه يغزر باحتضان الأم لوليدها. وضعت عبلة تركيزها في الوصول بحالتها الأولى في مصر إلى النجاح.

أقامت عبلة مع الأم الشابة 8 أيام داخل المستشفى، احتضنت حزنها من فكرة الابتعاد عن ابنها الرضيع “من كتر ما كانت عايزة تبقى أم كانت بتعيط وتقولي لي يا دكتورة هو أنا ليه مش هرضع”، لكن الطبيبة طالما ربتت على قلبها وأعطتها “حسين” لتحتضنه، لتنجح في إرضاعه بشكل طبيعي على مدار 6 أشهر، ويخرج معافى مع والدته.

ما كانت الإمكانيات كبيرة، لكن طبيبة الأطفال راهنت على الرعاية الجيدة، حتى أنه لم يكن هناك حضّانة في المستشفى، فعملت على تصنيع سرير خاص لتتولى الاعتناء بـ”صغارها” كما تسميهم، لتجد أن الخطى تسوقها لدورها.

ذات يوم اتصل بها صانع الأسرة وأخبرها أنه رُزق بطفل يعاني نقص الأوكسجين، ومستشفيات المنصورة ترفض قبوله بينما يقولون له “خده يموت في البيت”. بهدوء طالبت عبلة الرجل أن يذهب إلى المستشفى الذي تعمل فيه، وهناك أجرت له تنفس صناعي ليستجيب الرضيع بتحريك يديه وقدميه، لكن ظلت هناك مشكلة؛ لم يكن متوفر جهاز تنفس صناعي والوليد بحاجة إلى “حضانة”، حتى يتم نقله إلى القاهرة، بعدما وجدت الطبيبة مكانًا له في إحدى المستشفيات.

24 ساعة جلست فيها عبلة تمسك أنبوب هواء لمواصلة التنفس لـ”عبد الله” تتبادل مع الممرضة الدور حتى تم نقل الرضيع. لم تحمل الطبيبة وقتها أملا كبيرًا في نجاته “أتولد بعد 38 أسبوع وعنده نقص أكسجين واتنقل. لكن رحمة ربنا. العيال دول محدش يقدر يتوقع هيبقوا إيه مهما خططنا” تستعيد عبلة بابتسامة سيرتها الأولى مع صغار الولادات المبكرة.

بعد أسبوع في “الحضانة” عاد “عبد الله” إلى المنصورة، لتُعلم عبلة والدته “الحضن الدافي”، واليوم يستكمل عبد الله دراسته الجامعية.

“طفل من دول يغير حياتك” بعينين لامعتين خلصت طبيبة الأطفال لهذه النتيجة، فرغم سنوات العمل لكن مازالت الحالات التي تلتقيها تحمل لها المزيد من المفاجئات الإنسانية.

تعتز عبلة بالطفل “ناجي”، الذي ولد قبل عامين، بعدما أصاب والدته نزيف شديد في الأسبوع 24 من الحمل، ولم يعد أمام الفريق الطبي سوى إجهاضه، غير أن الأم رفضت وتمسكت بإجراء عملية قيصرية لإخراجه وهي تعلم أنه “ميت ميت”، لكن ما إن وُضع في الغطاء حتى نبض جسده، وانضم الأب لزوجته وقال “أنا عايزه”.

ثلاثة أيام بقي فيها “ناجي” بوزن 500 جرام على جهاز التنفس، قبل أن تحضر والدته يوميًا إلى الحضانة، وتضعه “الجلد على الجلد”، تتذكر الطبيبة كيف أصبح الصغير معتادًا على صوت أمه والممرضة “زهرة”، حتى أنه يضطرب في غيابهما، وظل “ناجي” يقاوم إلى أن خرج بعد شهر ونصف بوزن كيلو و400 جرام، وتلتقيه عبلة مؤخرًا طفلاً سليمًا يمسك بيد أمه.

“الأم دي قوة عجيبة، الأم اللي بتبقى عايزة ابنها يعدي هيعدي. بتبقى عندها بصيرة أن ابنها هينجى بس محتاجة دعم من الهيئة الطبية. عايزة دكتور ميبصش للطب على أنه وظيفة” نتيجة أخرى انتهت إليها عبلة في مشوارها. كم من نساء تساءلت طبيبة الأطفال لماذا تصر لهذه الدرجة وكل النتائج الطبيبة تقول إنه لا مفر. تتذكر سيدة “السنبلاوين” –جنوب شرق الدقهلية- التي التقتها قبل نحو سبع سنوات.

تقول طبيبة الأطفال “أنا محلمتش أن محمد يكون كده”، بلغ طفل سيدة “السنبلاوين” الصف الأول الابتدائي، رأته يسير ويتحدث، فيما تلقفته الطبيبة وليدا تضع له أنبوب الاستسقاء “مكنش لا بيتحرك ولا يطلع صوت. كنت بقول بيني وبين نفسي الست دي –أمه- بتزق على إيه”.

ليس يسيرًا أن يستقبل زوجان طفلاً مبتسرا، لاسيما إذا كان أول أبنائهما “بتبقى بالنسبة لهم كارثة، رأت عبلة هذا في عيون الكثير، إلى جانب غياب الوعي بما عليهم في ذلك الوقت، تضغط الأعباء المادية على الوالدين، تتكلف حقنة اكتمال الرئة وحدها قرابة 4 آلاف جنيه، فضلا عن تكاليف البقاء في الحضانة لأيام وربما أسابيع، ومَن لا يجد الخدمة في المستشفيات الحكومية فلا بديل عن القطاع الخاص، وهو ما يعني مبالغ مضاعفة.

“شوفت في حياتي ناس تقول شيليه من على جهاز التنفس أخده وأروح بيه عشان فلوسهم خلصت” بأسى تقول طبيبة الأطفال. تتذكر ذاك الأب الذي أقنعته قبل ثمانية أعوام عن فكرة مغادرة المستشفى والاستسلام لموت ابنه وأن أهل الخير سيسددون عنه، ليصدمها برد فعل أقسى من مطالبتها بنزع الحياة من وليده “قالي لي اكتبي لي ورقة أني في آخر المدة مش هطالبه بتكلفة العلاج”، تشكك الوالد في أن يسانده أحد، مهونًا على نفسه المصير بقول “لو مات يبقى ده عمره”.

لم يكن الأب قاسيًا، لكن “مرارة” ما يعانيه ذوي الطفل المبتسر لا تتوقف عند ولادته، تقول الطبيبة “المنطقة الطبية دي فيها ناس كتير بتعاني ومحدش حاسس بيها”، توضح أن نجاة الطفل دون إعاقات تنتج عن الولادة المبكرة معجزة، وهو ما يمد الطبيبة بمزيد من الصبر والقوة لمواصلة الطريق.

على مدار ثلاث سنوات مضت، ومع إطلاق مبادرة “حلمنا” عملت عبلة مع 60 طبيبًا للأطفال على تدريب الأطباء في المستشفيات على كيفية رعاية حديثي الولادة وتطبيق “الحضن الدافي” للأطفال المبتسرين. طرقت عبلة أبواب المستشفيات الخاصة أولا ثم امتدت للحكومية، وصل الفريق لـ6 محافظات.

خشيت عبلة في البداية أن ترفض المستشفيات الخاصة التعاون لكنها وجدت “أنه لما يتقال أحنا هنصلح العائد وعدد الوفيات هيقل والإشغال هيزيد بيتقال ليه لأ ما نجرب”، وكانت النتيجة في تقليل وفيات المشافي التي ترددوا عليها إلى 25% ورفع كفاءة الحضانات لنحو 30% وكذلك زيادة معدل الرضاعة الطبيعية من 13 إلى 52% كما تقول طبيبة الأطفال.

جاءت خطوة تدريب الأطباء وفرق التمريض في المستشفيات بعد سنوات عملت فيها عبلة على إدخال امتحان الزمالة البريطانية لطب الأطفال إلى مصر عام 2008، لكنها لمست فجوة “كنا عايزين نوصل لدكاترة المستشفيات الحكومية وكمان لقينا أن الأهالي نفسها عندها مشكلة”، لهذا سعت لتنفيذ مبادرة “حلمنا وهنحققه” لرعاية الطفولة في مصر، ومنها انطلقت حملة “ابني البدري”.

لم تكتف عبلة بالتوعية النظرية، صنع فريق عمل الحملة خط إنتاج ملابس خاصة بأمهات الأطفال المبتسرين، ما يشبه “كيس الكانجرو”، يوزعونها مجانًا، كما يعملون على صناعة أفلام وثائقية تسجل بطولة الأمهات وما على الزوجات أن تفعله لتجنب الولادة المبكرة ودور الأب، فضلا عن تشكيل ائتلاف دعم الطفل المبتسر، لدعم الأسر غير المقتدرة ماديًا وإعمال التكافل بين أهالي المبتسرين.

تقول عبلة إن بعض الأطفال بعد انتهاء فترة الحضانة، تحتاج لجهاز إنذار ينبه الأم أن طفلها توقف عن التنفس، وربما ذلك منع الوليد عن مغادرة المستشفى “في حالات بتاخد الجهاز وتجيبه لما الحالة تستقر عشان طفل تاني يستخدمه”.

تؤمن رئيس مبادرة “حلمنا” أن مصر ليس لديها عجز في الحضانات لكن “سوء استخدام” فإن رُفعت كفاءة الأسرة وتقوية دور الأم “مش هنكون محتاجين نزود عدد الحضانات”.

تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية
برئاسة أم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي
www.us-osr.org

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى