عصير الكتب

الجزء الأول من تلخيص كتاب “تألق وتفوق ” تأليف :إدوارد هالويل

علم المخ والأعصاب في خدمة الإدارة

المخ البلاستيكي المرن !

من الضروري أن يتابع المديرون أهم النتائج التي توصلت إليها علوم المخ والأعصاب مؤخرًا والتي تؤكد أن دماغ الإنسان يتكون من مادة لدنة وطيّعة وسهلة التشكل والتحول مثل البلاستيك واللدائن، مما يعني أن المخ ينمو ويتغير ويتحور عبر مراحل عمر الإنسان. وهذا يتعارض بشكل أو بآخر مع الاعتقاد السائد بأن الناس لا يتغيرون، والذي جاءت العلوم الطبية والعصبية لتثبت خطأه.
اكتشف العلم أن ”البلاستيكية الدماغية“ تؤثر على أداء الإنسان، فيتحسن أداؤه في المجالات والأنشطة التي يمارسها بانتظام، ويتراجع في المجالات والأنشطة التي يهملها. هذا ما وصفه الدكتور والمحلل النفسي ”نورمان دوديج“ بقوله: ”إذا ما توقفنا عن تدريب خلايانا المخية ومهاراتنا العقلية واستخدامها ومَطِّها وتطويعها باستمرار، فإننا لا ننساها وحسب، بل إنها تتقلص فتضمحل رقعة الخريطة أو المساحة الدماغية لهذه المهارات لتتسع رقعة المهارات التي نمارسها حاليًا وبانتظام.“ فإذا سألت نفسك: ”كم عليّ أن أتدرب على قراءة الفرنسية، أو عزف آلة موسيقية، أو حل المعادلات الرياضية، حتى أكون متفوقًا في هذا النشاط؟“ فأنت بذلك تستفسر عن مدى ”طواعيتك ومرونتك“ التي تشكل إحدى خصائص المواد البلاستيكية اللدنة. تفسر هذه المرونة سبب صعوبة التخلص من العادات السيئة. فنحن نتصور أن المخ يشبه الوعاء وأن ما نتعلمه هو المادة التي نضعها فيه لتشغل حيزًا منه. وعندما نحاول الإقلاع عن عادة سيئة، نعتقد أن الحل يكمن في وضع شيء جديد في الوعاء. لكن هذا غير صحيح، لأن اكتساب العادة السيئة في الأساس يشغل مساحة على الخريطة العقلية، وفي كل مرة نكرر هذه العادة تزيد رقعتها وسيطرتها على الخريطة، فتحول دون استخدام هذه المساحة في اكتساب عادات جديدة وصالحة. هذا التطور العلمي لن يسعد المديرين فقط، بل سيسعدنا جميعًا، لأنه يعني أننا وموظفونا يمكن أن نتغير. فإن كنا في الماضي نظن أن الصغار فقط هم من لا تزال أمامهم الفرصة ليتغيروا ويعدّلوا عاداتهم، فإننا نعرف اليوم أن كبار السن قادرون على ذلك أيضًا.

قمة الاداء

من أشهر الشعارات التي يرفعها العالم اليوم: ”استثمر كل قواك الكامنة“. فمن منا لا يتمنى ذلك؟ ولكن يجب أن نكون أكثر تحديدًا؛ فلكي يستثمر الشخص كل إمكاناته وقدراته، عليه أولاً أن يتجنب الفشل المتكرر. فإن كانت طموحاتك وأهدافك عالية، فيجب أن تكون طريقة تفكيرك وتنفيذك منطقية وذكية.
ما نقصده بذروة الأداء وما نسعى إليه في حياتنا، وما يتمنى المديرون أن يمكنوا موظفيهم من بلوغه، هو التميز المُتسِق مع مهارات المرء والممزوج بالتطور المستمر في أداء مهمة أو مجموعة من المهمات. يرى علماء النفس أن الإنسان يبذل قصارى جهده عندما يبلغ حالة ذهنية تسمى ”تدفق الأداء“ أو ”انسيابية الأداء“، وهي حالة يبلغها المرء عندما يوجّه كل تركيزه وانتباهه وطاقته نحو عمل أو نشاط ما، حتى ينغمس فيه من أذنيه حتى أخمص قدميه، ويندمج فيه كليةً. قد لا تتمكن من البقاء في حالة الانسيابية المطلقة طوال اليوم، ولكنك تستطيع البقاء في دائرة التميز طوال الوقت. فالذين يحبون عملهم، يقضون جل وقتهم
في هذه الدائرة. فما إن تغرس في نفسك عادة العمل داخل هذه الدائرة، حتى يزدهر أداؤك، ليس لأنك مطالب بذلك، بل لأن هناك دافعًا رائعًا يحفزك ويلهمك.

كيف تدخل دائرة التميز ؟

يبدأ التميز باستغلال حالة التفاعل داخل الشخص وخارجه. فمفعول السحر لن يتحقق من خلال الفرد أو العمل، كلٌ على حدة. وإنما عندما يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب فيتحقق التفاعل السحري فيقود إلى ذروة الأداء. وأمام كل مدير فرصة لتحقيق هذا بقيادة موظفيه عبر الخطوات الخمس لدائرة التميز.
1- حسن الاختيار : الشخص المناسب في المكان المناسب
حسن الاختيار يعني وضع الشخص المناسب في المكان المناسب. يقول ”جاك ولش“: ”وضع الموظف المناسب في الوظيفة المناسبة أهم بكثير من وضع استراتيجيات إدارة الأعمال والشركات.“ وينجح الاختيار عندما تضع في اعتبارك ثلاثة معايير: أكثر الأعمال التي يحب الموظف أن يؤديها، وأكثر الأعمال التي يؤديها أفضل من غيرها، وجوانب عمله التي تضيف قيمة حقيقية إلى
المشروع أو المؤسسة.
عندما يحرص المدير على أن يمارس موظفوه الأعمال التي يحبون القيام بها، وأن يستثمروا المهارات التي صقلوها على مر السنين، والقدرات التي تميزهم عن الآخرين، وأن يتأكد من أن أعمالهم وجهودهم تضيف قيمة حقيقية للمؤسسة، فسوف يحقق الاتساق والتوافق والانسجام بين الموظفين وأعمالهم. وبذلك تكون الخطوة الأولى (وهي الاختيار) قد تمت بنجاح.

لماذا نفشل بالاختيار أحياناً ؟

على الرغم من أهمية عملية الاختيار، فإن الكثيرين يفشلون فيها. كشف استطلاع للرأي أُجري عام 2005 على 7778 موظفًا أن 33 ٪ منهم يرون أنهم وصلوا إلى نهاية طريق مسدود في وظائفهم الحالية، وأن 21٪ يريدون تغيير مسارهم الوظيفي، في حين أعرب 20٪ منهم فقط عن حماسهم وحبهم لوظائفهم. فلماذا يقضي معظم الموهوبين والمتميزين نصف أعمارهم في التنقل من عمل أو من مسار وظيفي إلى آخر؟
❂أحد الأسباب هو أنهم لا يختارون المنفذ الصحيح الذي يمررون عبره مهاراتهم ومواهبهم كي يتألقوا. فهم يقعون في شراك معروفة ومتكررة عندما يختارون الوظائف التي يتوهمون أنها أعلى مكانة أو راتبًا أو أكثر استقرارًا مقارنةً بغيرها.
❂من الأخطاء الأخرى الشائعة اختيار الوظيفة بناءً على  رغبات الأهل والأصدقاء والأزواج، أو اختيار مسار وظيفي لا يثير جدلاً ولا يلاقي اعتراضًا من أحد، وهذا يعني أنه لم يختر وظيفته بإرادته، وإنما انصاع لرغبات ولبى توقعات المحيطين به.
❂هناك فخ ثالث نقع فيه ويؤدي إلى فشل الاختيار وهو  انجرافنا وراء أحلامنا دون مراعاة إمكانية تحقيقها على أرض الواقع. لا ضير في أن نحلم، بشرط أن نحسن اختيار أحلامنا والطرق التي نحققها بها.
فالعمل الجاد وحده لن يصل بنا إلى منتهى غاياتنا. اختر الحلم المناسب، وتأكد أنه يناسبك ويتوافق مع مهاراتك بحيث تجد في نفسك القوة والعزيمة والرغبة للعمل بجد واجتهاد لتحقيقه. فإن لم يتحقق على الرغم من كل محاولاتك ومساعيك الدءوبة، فستظل على الأقل تشعر بالسعادة والفخر لأنك سعيت.

كيف تنجح في الاختيار وتحقق التوافق المنشود ؟

لا يضمن وحده بلوغ ذروة الأداء، لكنه حجر الأساس الذي يجب الوقوف عليه حتى لا يتداعى البناء كله. فإن أخطأت في الاختيار، تكون قد أهدرت سنوات طوال، وربما مسيرة مهنية بأكملها. يستطيع أي مدير أن يتجنب هذا إذا كان تدخله عمليًا وفعالاً، كما يلي:
-1 المقابلات المنهجية: لكي تحسن الاختيار، ابدأ بجمع المعلومات الأساسية والمهمة كي تمكن الموظف من قضاء معظم وقته في تحقيق التفاعل بين ثلاثة عناصر: ما يحب عمله، وما يتقنه، وما يضيف قيمة إلى مؤسسته. فحاول أولاً أن تكتشف مواطن قوة الموظف وميوله واهتماماته.
-2 انسيابية الأداء: يبين الإطار الثاني كيفية تحقيق التوافق بين الموظف ووظيفته بهدف الوصول إلى تدفق وانسيابية الأداء. يؤكد علماء النفس أن الشخص يصل إلى حالة الانسجام التام في الأداء عندما يندمج في عمل أو نشاط صعب يتطلب أقوى المهارات التي يتمتع بها. وعلى العكس، عندما يُكلف الشخص بعمل صعب لا خبرة له به، ويفتقر لمهارة التعامل معه، فإنه يشعر بالقلق والتوتر. وعندما يمارس عملاً سهلاً لا يشبع لديه غريزة التحدي ويفتقر لمهارة التعامل معه، فإنه يشعر بالفتور واللامبالاة والملل القاتل. وعندما يمارس عملاً سهلاً يتمتع بمهارة التعامل معه، فإنه يشعر بحالة من السكون والاسترخاء. وعندما يمارس
عملاً صعبًا ومعقدًا ولديه مهارة كبيرة في ممارسته، فإنه يشعر بشيء من التحدي ويتوحد مع هذا العمل وينغمس فيه قلبًا وقالبًا ويبذل قصارى جهده للنجاح فيه ويشعر بالسعادة الغامرة وهو يؤديه. فعلى المدير أن يجمع بين هذين العنصرين (الصعوبة والمهارة)
ويشجع موظفيه على العمل من هذا المنطلق.
-3 التعرف على أسلوب عمل الموظف: نعني أسلوب الشخص الفطري والطبيعي والتلقائي في التعاطي مع المشكلات وحلها. أسلوبك في العمل يعكس مدخلك إلى التعامل مع أية مهمة جديدة، وهو لذلك ثابت ولا يتغير، وغير مرتبط إطلاقًا بمعدل ذكائك. مهارات التعامل تشغل مساحتها الخاصة والفريدة في العقل وتتحد معًا لتكوّن أسلوبك التلقائي في التفاعل مع العالم من حولك وحل المشكلات واتخاذ القرارات. هذا الأسلوب يتحكم فيما تفعله تلقائيًا وبشكل طبيعي، مقارنةً بما تؤمر به أو تجده واجبًا عليك لتنفذه. يبذل الناس قصارى جهدهم عندما يتاح لهم استخدام واستثمار مهاراتهم الطبيعية في العمل. إلا أن هناك بيئات عمل تجبر العاملين على السير ضد طبيعتهم وفطرتهم، مما يجلب التعاسة والإحباط والأداء المتدني.

نقلا عن www.edara.com
لقراءة الجزءالثاني إضغط هنا
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

سبعة − 4 =

زر الذهاب إلى الأعلى