عصير الكتب

الجزء الثالث من تلخيص كتاب “الأخطاء المثمرة” تأليف: كاثرين شولتز

download-2
ماذا يحدث عند إرتكاب الاخطاء ؟ 
ماذا يحدث حين يدرك الإنسان أنه قد وقع فريسة للخطأ، تلك اللحظة التي تتحول بها متعة الصواب إلى خيبة الفشل؟ تشكل هذه اللحظة جوهر التجربة نفسيًا وهيكليًا. ففيها يُطمس جزء من ماضينا ويُبعث إنسانًا جديدًا.
ومن ثم تلعب هذه اللحظة دورًا جليًا في التنمية الأخلاقية والفكرية، الأمر الذي يفسر ذلك الخوف والفزع الذي يغمرنا تجاه تلك اللحظات التي من شأنها أن تساعدنا – بمرور الوقت – في التخلص من هذه المشاعر السلبية. هذه اللحظات التي تعجز عن وصفها الكلمات والتي من خلالها يعترف الإنسان بخطئه هي في الواقع ليس لها وجود! فحين يدرك الإنسان كذب ادعائه وزيف معتقداته، فكل ما يفعله هو أن يكف عن الإيمان بها والدفاع عنها.
بالطبع هناك ثمة ما يحدث بين مرحلتي اعتقاد الصواب واكتشاف الخطأ، إلا أن هذا الشيء يصعب اكتشافه لطبيعته المتحايلة. يعزى ذلك إلى السرعة المتناهية – أو البطء الشديد – الذي ننتهجه في تغيير معتقداتنا بحيث يصعب الوقوف على لحظة المواجهة الحقيقية مع الخطأ.
وصف ”توماس كوهن“ – أستاذ فلسفة العلوم – ردود أفعال العلماء حين تخفق أفضل نظرياتهم قائلًا: ”يتفادى العلماء ذكر الأخطاء التي تشوب تجاربهم ونظرياتهم حتى وإن كان من الممكن أن تتمخض عن خسائر بالغة ومتفاقمة، فالنظريات العلمية لا يمكن أن
تفند محتوياتها إلا إن ظهر بديل يثبت عكسها.“
من هذا المنطلق قلما تخفق النظريات لقصور يشوبها، وإنما تتداعى للسقوط فقط حين يظهر بديل أفضل. والأمر سيان بالنسبة إلينا؛ الفارق الوحيد أننا قد نجد أنفسنا حائرين ما بين الوظائف، والهوايات، أو المنازل وليس النظريات.
وبدلًا من تقييم كل معتقد وفقًا لما يميزه، نتشبث بمعتقداتنا الحالية إلى أن يظهر ما هو أفضل. ولا يوجد ثمة ما يعيب هذه الاستراتيجية – بل إنها تبدو الخيار الأفضل والأمثل – سوى أنها تقلص لحظة المواجهة مع الخطأ إلى حد الانعدام.
فمعتقداتنا حول شيء ما تظل صائبة إلى أن نجد بديلًا أصوب! ولكن في بعض الأحيان لا تؤتي هذه الاستراتيجية ثمارها على النحو المنشود؛ فها نحن نتنقل بين هذا وذاك، من صواب بائد إلى صواب جديد إلى أن نسقط في الهوة القاتلة حيث العدم بعدما
تحطمت كل معتقداتنا ولم يعد هناك بديل يحل محلها:
وذلك هو جوهر الأخطاء. فمجرد فكرة أن نكون على خطأ فيما مضى قد تؤرقنا وتستفز غرورنا، ولكن أن نكون عالقين في أحد الأخطاء حاليًا دون منفذ أو منقذ، فتلك هي الأزمة الحقيقية.
لحسن الحظ قلما يسقط الإنسان في هذه الهوة بسبب انهيار المعتقدات البسيطة، وإنما يحدث ذلك حين تتحطم أعظم معتقداتنا – تلك التي لا يمكن استبدالها أو العيش دونها.
نقطة التحول 
يشكل الوقوع في الأخطاء لحظة انفصال واغتراب عن الذات. وبعض الأخطاء تعجل باغتراب أكثر شدة من غيرها. فإن كان تغيير آرائنا في بعض المعتقدات – العقائدية، والأسرية، والسياسية، وغيرها – من شأنه أن يحدث طفرة في تقبلنا لأنفسنا، فكذلك الحال حين نغير نظرتنا إلى عقولنا، بل إن هذه الطفرة تقدم خير مثال للأثر الذي تتركه الأخطاء على هويتنا وشخصيتنا: فمن الممكن أن نكتشف أننا قد أسأنا فهم وتقدير أنفسنا منذ البداية. فنظرتنا إلى أنفسنا – كنظرتنا إلى الكثير من الأشياء حولنا – تقوم على مجموعة من المعتقدات التي – كغيرها من المعتقدات – قد تكون عرضة للخطأ. فمن منا لم تتغير أفكاره وتتبدل نظرته إلى ذاته ما بين ليلة وضحاها أو تغيرت بمرور الوقت على أدنى تقدير. ففي البداية نعتقد أنه لا رغبة لدينا في إنجاب الأطفال، نتمنى أن نصبح أطباء في الكبر، نظن أن لا مستقبل لنا في بلدة ما، نعتقد أنه من المحال أن نقع فريسة للإحباط في يوم ما أو ينتابنا هوس بشيء معين أو أن نقيم علاقات ناجحة… إلخ! فلكل منا رواياته الخاصة التي – كالنظريات العلمية وتاريخ البشرية – عفا عليها الزمان وأمست في خبر كان.
ندم المشتري 
تقدم الظاهرة المعروفة ب”ندم المشتري“ خير مثال للسهولة التي بها نخفق في فهم أنفسنا. حيث تشير هذه الظاهرة إلى إخفاقنا في تحديد متطلباتنا، ورغباتنا، ومعتقداتنا، ومشاعرنا. لا تكمن مشكلة هذه الظاهرة في طرح الأسئلة غير الملائمة لاحتياجاتنا في المستقبل، وإنما في أننا لا نعرف أنفسنا بالقدر الكافي لنجيب عن الأسئلة بالشكل الصحيح. ولا تقتصر هذه الأزمة على المستقبل فقط، وإنما بقدرتنا – أو بالأحرى فشلنا – في التنبؤ بمشاعرنا وقناعاتنا بشكل عام.
وبالتالي ففهمنا لذاتنا قد يحيد عن الطريق سواء كنا نراجع ماضينا، أو نتأمل حاضرنا، أو نرسم ونتخيل مستقبلنا. قد تثير هذه الحقيقة – مثلها مثل الوقوع في الخطأ – مجموعة من المشاعر المتضاربة.
وعلى الرغم من عدم إلمامنا بكل جوانبنا الشخصية وتقبلنا لهذا الواقع بشكل عام فإننا نأبى أن نعترف بإخفاقنا الراهن في استيعاب بعض هذه الجوانب.
ومن هذا المنطلق نُعزي الأخطاء إلى الفجوة ما بين رؤيتنا الذهنية للأشياء وبين حقيقتها، ولكن ماذا يحدث حين يتعلق الأمر بأنفسنا؟ لكي نتقبل حقيقة إخفاقنا في فهم أنفسنا أحيانًا، لا بد أولًا أن نؤمن بالفجوة بين ما نراه – في هذه الحالة عقولنا – وما
نرى من خلاله – أي عقولنا أيضًا.
نؤمن جميعًا أن هناك الكثير من الأشياء التي يغفل عنها العقل بشكل أو بآخر. كما نعلم أن كثيرًا من العناصر التي تشكل هويتنا تخضع للتغيير المستمر كالمهارات والأولويات، ولكن حين يتعلق الأمر بغيرها من الجوانب الشخصية، يأبى العقل أن يصدق عليها. ينطبق ذلك على السمات الشخصية (”أنا أعمل بإتقان وإخلاص،“ ”تزعجني انفعالاتي الحادة،“ ”أعاني من الخجل الشديد“)، والمهارات والعيوب الرئيسية (”أتمتع بذاكرة رقمية حادة،“ ”أعاني من ضعف التركيز والانتباه)، وبعض المعتقدات الجوهرية الشخصية (”أنا شخص يُعتمد عليه وجدير بالثقة“) وأيضًا الفلسفية الشاملة (”للتعليم فائدة كبرى،“ ”نعيش في عالم تحكمه المصالح“).
فالمقومات الأساسية لشخصياتنا، ومواطن قوتنا ونقاط ضعفنا، ومبادئنا الأخلاقية والفكرية الراسخة، وعلاقاتنا بأنفسنا، وبالآخرين،
وبالعالم أجمع، كل هذه العناصر وأكثر تتجمع معًا لتشكل ”هويتنا“ في نهاية الأمر، ولكننا نصر دائمًا على أن تظل هذه الهوية ثابتة ومترسخة لتشكل أساسًا صلبًا تتكئ عليه البنية بأكملها.
تأتي الأخطاء بعد ذلك لتشكل أخطر وأقوى التحديات لكل ما سبق بما في ذلك إصرارنا على إلمامنا بكل جوانب شخصيتنا، وكذلك بأن شخصياتنا ثابتة غير قابلة للتغير.
وقد سبق وذكرنا أن المعرفة وحدها لا تمنح المناعة الكافية ضد الخطأ بما في ذلك معرفة الذات، ولكن إصرارنا على استيعاب الذات باعتبارها كيانًا متسقًا ومقروءًا كالكتاب المفتوح يحول بيننا وبين فكرة الوقوع في الخطأ ولو كمجرد احتمال. بل إن الانسياق وراء هذا الاعتقاد لا يبدد فرص الوقوع في الأخطاء فقط، وإنما فرص التغيير والتطوير على حد سواء – حتى وإن بدت كلتا الحالتين واضحة وضوح الشمس في أعين الآخرين.
الوحدة، والانحراف، والتجاوز، والفساد، كل هذه الصفات وأكثر ترمز إلى النمط التشاؤمي للأخطاء والتي ينظر إليها بعين المتطفل، ودليل ابتعادنا عن المدينة الفاضلة. ولكن لا يصح أن نغفل عن النمط الآخر الذي لا يسلط الضوء على أخطائنا فقط وإنمايدرس شخصياتنا بكل جوانبها. هذا النمط يجعل من الأخطاء عملية طبيعية ومستمرة لا تعيقنا، وإنما تنمينا وتقوينا. وكما يقول الفيلسوف الألماني ”هيجل:“ ”تتلاشى البراعم بمجرد تفتح الزهرة. قد نسيء الظن بأن الثانية قد أفنت الأولى لتشق طريقها إلى الحياة، وكذلك الحال حين تثمر الفاكهة فنعتقد أن الزهرة كانت مجرد صورة مستعارة لهذه الفاكهة.“
بالطبع لا يقتصر الأمر على البراعم والزهور، وإنما على أنفسنا كذلك. فالنمط التفاؤلي لا يجعل من الأخطاء دليلًا على فسادنا السابق، وإنما يعتبره إحدى تلك القوى – كالماء وضوء الشمس – التي تسهم تدريجيًا في انبثاق كيان جديد – إنسان جديد ومختلف.
إرتكب الاخطاء تكن من السعداء !
كلنا نعلم أن الأخطاء نتاج فريد وشخصي لكل منا. فارتكاب الأخطاء سمة بشرية تميزنا قليلًا عن المملكة الحيوانية وتبعدنا – بالطبع – كثيرًا عن الملائكة. ولا يعني ذلك أنه ينبغي على الإنسان ارتكاب ولو القليل من الأخطاء من حين إلى آخر، وإنما نقصد به أن كل البشر خطاؤون.
فنحن نتميز عن باقي المخلوقات بقدرتنا على طرح الأفكار الجنونية، واتباع الأحلام ”السرابية،“ والتأمل بكل ما أوتينا من قوة، والإيمان بأكثر التصورات خيالية. قد تؤتي هذه القدرات ثمارها في بعض الأحيان وقد تنهار دون سابق إنذار. ولكن الإنسان لا يميل
بطبعه إلى الانحناء في وجه الأخطاء؛ بل على النقيض يبني ذاته من جديد. تسلط فكرة بناء الذات الضوء على أمر غاية في الأهمية وهو أن الأخطاء لا تكسبنا سمة الآدمية فقط، وإنما تبرز الفروق الشخصية التي تميز كل فرد عن الآخر. فمن خلال عجزنا عن إتمام الأمور على أكمل وجه ورؤيتنا الخاصة للعالم أجمع تبرز سماتنا الشخصية والمتفردة. وهذا جوهر ما كان يدعو إليه ”بنجامين فرانكلين“ حين قال: ”ما الخطأ إلا نتاج نقي وبريء للعقل الذي ينتجه“، والذي من خلاله ”يُتاح للنفس مساحة شاسعة كي تطور ذاتها.“ باختصار شديد، فالأخطاء هي رمز الهوية الإنسانية!
نقلا عن www.edara.com
تم نشر هذا المحتوي علي جريدة عالم التنمية برعاية
أكاديمية “بناة المستقبل” الدولية و” المنظمة الامريكية للبحث العلمي”
برئاسةأم المدربين العرب – الدكتورة “مها فؤاد” مطورة الفكر الإنساني
e5f2ef68-75e1-4678-9ffc-3479da505483
#بناة_المستقبل
#أكاديمية_بناة_المستقبل
#راعي_التنمية_بالوطن_العربي
 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 − 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى